الخميس، 29 مارس 2012

معاناة مجموعة "بنو هاشم" في معتقل أكدز 3/4


بقلم: سعيد بنرحمون
معتقل أكدز من الداخل
في هذا الجحيم المقيم قضى أعضاء مجموعة "بنو هاشم" الخمسة أزيد من أربع سنوات من خيرة سنوات شبابهم،  بدون أي نوع من أنواع المحاكمة، أقصى درجات الظلم أن يقذف بك إلى الموت بدون أن تعلم حتى الجريمة التي ارتكبتها، قد يقول قائل إن انتماء هؤلاء الشباب، بل التلاميذ، إلى أفكار اليسار كان كفيل باعتقالهم في أي لحظة، هذا صحيح، لكن الأمر لا يعدو أن يكون انتماء بسيط لمراهقين بدون ثقافة سياسية تجعلهم يميزون بين الأقصى والأقصى في السياسية عامة في فكر اليسار خاصة،  وكيف يسفر المعترض أن أعضاء قياديين في تلك المنظمات اليسارية كانوا أحرارا، والتلاميذ الأقرب إلى السذاجة يقتادون إلى المجهول وراء الشمس كالخرفان؟
اختطف هؤلاء الأبرياء من أمام مدارسهم ومقرات أعمالهم إلى "الكوبليكس" في الرباط، وبه قضوا ما شاء الله لهم أن يقضوه من أيام، بل من أشهر، تعذيبا واستنطاقا ليقروا بأشياء تتجاوز وعيهم البسيط، وليخبروا عن قيادات يعرفها المحققون أكثر مما يعرفنها المسجونون، وبعد أن سئم المعذبون من الأجساد الطرية للتلاميذ جاء وقت الترحيل إلى أكدز، إلى الموت قريبا من الشمس، يتذكر الرحوي ومعه عبد الناصر بنو هاشم، أصغر أعضاء المجموعة سنا  والذي تسمت المجموعة باسمه، يتذكر تلك الرحلة داخل العذاب بكل تفاصيلها الدقيقة فيقول "رحلنا في يوم صيفي قائظ، من أيام غشت منتصف سبعينيات القرن الماضي، ألقي بخمستنا على بطوننا مستلقون، معصبي الأعين مصفدي الأيادي في سيارة مدنية من الحجم الكبير"
تبعد أكذز عن الرباط بحوالي 600 كيلومتر، يا له من عذاب، الرحلة في حالفة مكيفة تشعرك بالإرهاق الشديد، فما باله بمن ألقي  على بطنه دون أن يعلم أي وجهة يولي وجهه، يواصل عبد الناصر التذكر المرير، فعندما وصلت السيارة إلى مراكش، حدث أن انتبه لهم بعض المتطفلين، كان ضجيج المكان ولهجة السكان توحي بأنهم في مراكش، كاد أمر المرحِلين والمرحَلين على  السواء  ينفضح، عالج المرحلون الأمر بأن ألقوا غطاء نتنا فوق الآخرين،  كيف كانوا يتنفسون؟ماذا وكيف كانوا يأكلون؟ وكيف كانوا يقضون حاجاتهم البيولوجية في هذا السفر الطويل؟ وصلت اللإنسانية بالجلادين أن فرضوا على المرحَلين قضاء حاجاتهم الطبيعية في السيارة، أكلهم لم يكن غير "كميرة" هرمة متخشبة وبعض حبات الزيتون بنواتها، كل وتحسس موضع قلب الزيتونة من لحمها بين أسنانك، كانت السيارة تقطع كل تلك المسافات الوعرة، وكانت معها أرواح الشباب الخمس تتأرجح  صعودا ونزولا، وصلوا أكدز صبحا، أدخلوا قصر الكلاوي، فانتهت مهمة رجال الشرطة، عند البوابة الثانية من البناية الجميلة..
هنا صارت لهم حياة ثانية، جحيم آخر، أنستهم  فظاعته عذابهم القديم في "الكوبليكس" الزنزانة الأولى كانت أضيق من أن تسع شخصين، لكنها عنوة استوعبت خمسة أشباح، خمسة بقايا بشر، جدرانها كانت سوداء، ففيما مضى كانت مطبخا لخليفة الكلاوي، كان سوادها يضاعف من آلامهم، ولأن سقفها بدأ بالتصدع فقد تم تنقلهم من زنزانة أخرى أكبر قليلا في نفس الدار، كانت قريبة من الصحراويين، وقريبة كذالك من النافدة الكبيرة التي وضع بها الكفن اللعين، يتذكر الرحوي كيف كان الكفن يذكرهم بالموت كلما مروا بجانبه في فسحتهم القصيرة في ساحة الدار، كما يتذكر بعض العائلات التي سجنت بأكملها من الصحراويين، هنا شهد موت اثنان من الرجال على يديه، الموت في هذه البقعة أخ شقيق للحياة، الموت في هذا المكان، نهاية رحلة من عذاب لا تستحق أن تسمى حياةً، أقيمت خلف أسوار القصر الجميل مقبرة حوت كل من لم يستطع جسده تحمل كل ذلك العذاب، على يديه بالكاد استطاعا جسدان منهكان لفظ الروح، مشهد ظل عالقا بمخلية صاحبنا وكأنه حدث البارحة، كل من يموت هنا يتكفل به الباقون، تغسيلا وتكفينا وصلاة ووداعا، ثم يحمله الحراس إلى خارج القصر ليلا ليوارى الثرى دون صلاة أو ما تعارف الناس عليه من طقوس دفن، هنا انمحت كل التوجهات الأيدلوجية لسكان المكان، لا اليساري ظل على يساريته ولا الصحراوي، صاحب الميول الانفصالية ظل كذلك على ميوله، ولا حتى الإسلامي ظل على تطرفه ونظرته التكفيرية للآخرين، وحدهم الحراس ظلوا على غلظتهم وسوء معاملتهم.. 
كانت هذه المرحلة من الاعتقال، على كآبتها،  أفضل فترة تقضيها المجموعة في قصر الكلاوي، فبعدها سيتم تنقيلهم إلى زنزانة ثالثة خارج تلك الدار داخل القصر نفسه، في هذه الزنزانة أنضاف لهم خمسة آخرون من  المعتقلين الإسلاميين، تمتاز هذه الزنزانة عن الزنزانتين السابقتين بطولها الكبير نسبيا، لكن عرضها لم يكن بنفس طولها، وكانت رطوبتها تفوق رطوبة الأخريات، يتذكر الرحوي كيف كان زملائه ينامون فيها، كان الحريزي يعاني السعال الشديد، وكاد عبد الناصر بنو هاشم يفقد حياته، بعد أن تورم فكه السفلي وقيح من جراء درس نخرتها والجسد السوس، لم يعد بمقدوره حتى أن يبلع حتى الماء، وبقدر قادر عاد إلى الحياة ببعض الأدوية دون تشخيص من طبيب، يتذكر الرحوي كذلك كيف أصيب ذات يوم، من الأيام التي ما كانوا يعرفون إلى أي شهرا أو سنة تنتمي، حين أصيب بزكام شديد جعل شد الحرارة تتحول عنده إلى برد قارص يجعل أسنانه والضلوع تتراقص وتصطك...
تمضي السنين وتأتي أخرى والخمس على حالهم صابرون، الثياب التي جاؤوا بها من الرباط ما تزال على تبقى من أجسادهم صامدة مثل صمودهم، حتى كادت تلتصق بها، المرة الوحيدة التي بدلوها فيها كانت بأخرى نسائية، فالسجان المضيف جلب لهم بعض الأسمال البالية في طرود من أكياس هرمة، ويرميها بينهم، فيكون نصيبهم ما يوجد فيها ولو كانت ثياب نسائية،  أما التغذية، "إن جاز أن نسميها تغذية" يقول الرحوي، فكانت بعض من قطان، ما تزال صالحة للزرع رغم طهوها، يضيف الرحوي بالكثير من روح الفكاهة، لهم وجبتان في اليوم، فطور من شاي وبعض من الخبز المحلي، المهين أن الشاي كان يقدم في كأس حديدية بدأ الصدأ يكسوها من الداخل والخارج، على الخمسة أن يشربوا السائل قبل أن يغلب عليه الصدر، أما الغذاء فكان قطانِ وبعض الخضروات وهي الأخرى كانت تقدم في إناء يصدأ يوما بعض يوم، فيكون الأكل سباقا مع الصدئ قبل أن يعلوا الإناء، خارج هذه الزنزانة كان السجناء يخرجون إلى فسحة أقل رحابة من الأولى، ليمددوا أرجلهم ويتمتعوا ببعض الشمس ويجلبوا من يحتاجونه من ماء، وفوقهم في البيوت العلوية من البناية كان الحراس يراقبون الجميع ببنادقهم الآلية، وطأنهم ويحرسون عدوا مسلحا يجب الحظر منه، والويل كل الويل لمن تسول له نفسه استراق النظر إلى الحراس في الأعلى، هنا كان السجان أكثر خوفا من المسجون، كأنه يخاف انفضاح عمله المشين، يحرص كل الحرص أن لا يتعرف عليه المسجون، أما الأخير فكان أخر همه أن يتعرف على من يمتهن تعذيبه، كل ما يريد هو تفدقر السماء التي افتقدوا لونها منذ عهد بعيد، أمنيتهم هي النظر إلى زرقتها وبعض الطيور، لكن هيهات فالمحال أقرب إليهم من أمنية تشكل انفضاحا كبيرا للسجان...
في هذه الزنزانة سيتأكد الخمس أنهم في أكدز، ففي المرة الأولى باح بالاسم أمامهم واحد من الحراس في ساحة الفسحة دون قصد، أما المرة الثانية فكانت عندما  زارهم مندوب وزارة الصحة العمومية بوارززات ليجري لهم فحصا طبيا، وكانت الزيارة الطبية الوحيدة لهم، تأكدوا، من خلالها أنهم فعلا في أكدز، عندما شاهدوا في الأوراق الرسمية التي كان تملأ أمام أنظارهم أن الأمر يتعلق بـ"وزارة الصحة العمومية مندوبية وارززات مركز أكدز" كان في حينها فتحا عظيما رغم أنه لم يقدم ولم يؤخر من وضعهم شيئا...                                            
                   

الأربعاء، 28 مارس 2012

عزازيل والنبطي ومحال ثلاثة أوجه لعملة واحدة اسمها يوسف زيدان

بقلم: سعيد بنرحمون


لا يمكن للقارئ إلا أن يتفاعل بقوة (سلبا أو إيجابا) مع روائع يوسف زيدان الرواية، فرائعته "عزازيل" مثلا، تدفعك بقوة إلى اتخاذ موقف من أحداث تاريخية  نظر إليها  العديدون على أنها مضت وانقضت، لكنه نظر إليها بمنظار آخر، واستطاع أن يخرج منها درامة إنسانية عميقة، قد لا تهمك تلك الأحداث لو قرأتها في مكان آخر، لكن قراءتها عند يوسف زيدان ذات طعم مختلف، والأمر نفسه بالنسبة لرواية "النبطي" وشقيقتها الأخيرة "محال"، يستطيع هذا الموهوب الحقيقي في فن الرواية أن يجمع بين المعاناة النفسية لدى البسطاء من الناس مع التدين وحماته، ومعاناة المفكر المتحرر مع بيته الجاحدة، ومعاناة المجتهد في الدين مع المتحجرة عقولهم، ممن ينصبون أنفسهم حراسه الدين والتدين دون توكيل من أحد، ومعاناتك النفسية أنت مع تركيبته الإنسانية الميالة بطبعها وطبيعتها إلى ارتكاب الخطأ والخطيئة، وتأنيب "أناك" المستيقظة بعد فوات الأوان، وخوفك من المجتمع الذي لم يعرف فضيلة التسامح منذ أول جريمة وقعت فيه.
جاء هذا الرائد الروائي المتميز  إلى عالم الأدب من حيت لا يعلم الكثيرون، فملئ الدنيا وشغل الناس،  وأثار الزوابع لدى من تستهدفهم مواضيع رواياته، هو في الأصل مؤرخ متخصص في المخطوطات القديمة، يتخذ من المادة التاريخية منهلا خصبا، ناقش في "عزازيل" بعضا  من مواضيع التاريخ المسيحي الدموي، الرافض لكل نقاش عقلي، خاصة الكنسية الشرقية الأرثوذوكسية،  سواء من داخل الحقل الديني المسيحي نفسه، أو من خارجه، وفي راويته التالية "النبطي" ناقش مواضيع لها علاقة بالفترة الزمنية التي سبقت فتح المسلمين لمصر، غاص في التاريخ "الوثني" للعرب قبل الإسلام وفي الفترة الأولى منه، فقلب أحداث وساءل أخرى وسلط الأضواء على لحظات إنسانية مليئة الشجن،  أما في رواية الأخيرة "محال" فقد ناقش موضوعا ما يزال يطرح الكثير من اللغط السياسي والديني، تتبع مسار شاب سوداني بسيط قادته الأقدار إلى أفغانستان، ليجد نفسه متهما بالإرهاب، يعذب بوحشية منقطعة النظير في سجون الأمريكان في أفغانستان وباكستان.
يطرح يوسف زيدان في رواياته أسئلة محرجة جدا، بالنسبة  لمن يتجرأ على طرحها أولا، ثم لمن يقرأها ثانية،  ولمن يحاول الإجابة عنها ثالثا، أسئلة عميقة تصعب الإجابة عنها، فأديبنا "الجديد"  لا ينتج نصوصا رواية من أجل المتعة الأدبية فقط، فعندما تنهي أي من رواياته تصاب بحزن عميق، يتزاحم إلى عقلك قلق كبير، أحقا حدث أو يحدث هذا في هذه الحياة؟ في عالمنا، في كل رواياته الحدث حقيقي لا مراء فيه، لكن المعالجة الفنية الأدبية تأخذك في قالب درامي آسر ومحبوك لدرجة تخال الرواية واقعا يصوره مخرج سنمائي مبدع ، تأخذك إلى عوالم مختلفة ومتنوعة، من الصعب التأليف بينها جميعا، لكن زيدان له تلك القدرة على فعل ذلك بلغة شعرية عز نظيرها.
في "عزازيل" يأسرك الحوار والسجال العلمي والوصف الدقيق واللغة الأنيقة السلسة الغير متكلفة، يسافر بك بطل الرواية "هيبا" من العوالم المصرية إلى عوالم القدس العتيقة، مرورا بصحراء "سينا" ثم قفار الأردن، ذلك الإنسان البسيط الذي عاش طفولة بائسة، حيث شهد مقتل والده أمام أنظاره وزواج أمه من قاتل أبيه، خرج باحثا عن الرهبنة والحكمة الطبية أينما وجدت، تقوده رحلته إلى الإسكندرية حديثة العهد بالتمسح، يصف لك بدقة متناهية معاناة الفيلسوفة "هباتيا"، جوهرة المدينة، مع المتطرفين من أتباع الدين الجديد (المسيحية أنداك)  الذي جاء ومعه الخراب الكبير، يصور مشهد تمزيق جسدها الجميل إلى أشلاء من طرف أنباء الرب الجديد، قمة العنف الديني والقتل باسم الرب، ويزج بك في السجالات الدينية المسيحية الكبرى مع "نستور" و"كرلس" وغيرهم، ويدخلك إلى المجمعات الكنسية الكبرى، كما يصف لك بساطة "أكتافيا" وحبها للحياة الحرة بعيدا عن تعقيدات الدين المسيحي ورجالاته، ويعرج بك إلى مغامرات "مرتا" في وحبها للبطل، وفي كل هذا تقرأ معاناة بطل الرواية مع الحياة، وحبه الكبير للتدين المسيحي، وولعه  الأكبر بالعلم، بل لقد أجرى زيدان حوار شيق مع الشيطان عن أسئلة وجودية صادمة... 
وفي رواية "النبطي" يتخذ زيدان من المرأة بطلا، مريم القبطية، فتاة بسيطة من بنات صعيد مصر، تقودها أقدارها العاثرة إلى الزواج من عربي، بعد أن تجاوزها قطار الزواج، العربي يمتهن التجارة  مع الناحية التي تسكنها من سالف العصور، يأخذها معه إلى حيت يسكن في صحارى العرب "الأنباط" يصف زيدان حياة العرب في فجر الإسلام، عاداتهم ومعتقداتهم، أديانهم وصراعاتهم،  كما يأخذنا زيدان معه إلى معابد ومزارات العرب قبل الإسلام، يصف بدقة علمية كبيرة مختلف تلك المعتقدات الدينية وأصولها الفلسفية الأولى، كما لا ينسى أن يصور لنا جانبا من تعايش العرب مع اليهود قبل الإسلام، وفي كل هذا تقف على الفائدة العلمية الكبيرة  التي تنالها من قراءة أعمال أدبية، فتحصد الحسنيين، فائدة علمية حقيقة ومتعة أدبية ولغوية محكمة المبنى والمعنى، تتعاطف من البطلة من حيث لا تدري، وهي التي تجد نفسها مضطرة للتعامل مع زوج كل ما فيه يشعرها بالتقزز، تمضي بها الأيام لتكتشف أسباب الحياة في بيئة التجار العرب، الذين يسافرون أكثر مما يستقرون، تغوص في فلسفتهم الحياتية البسيطة والمركبة في نفس الوقت، تقف معها على التجارة باسم الدين في بداياتها الأولى...
وفي رائعته الأخيرة "محال" التي ما تزال مكتبات المغرب تفتقر لها، يسافر بنا زيدان من "أم درمان" في السودان إلى المناطق الأثرية في الأقصر وأسوان جنوب  مصر، حيث يمتهن شاب بسيط يغلب عليه التدين والبراءة مهنة مرشد سياحي، يدفعه حبه لفتاة مصرية من الإسكندرية إلى بداية المعاناة، لكنها ليس المعاناة الأخيرة بل هي بدايتها فقط، تتخذ الرواية من أحداث العقد الأخير من القرن العشرين مسرحا تاريخيا لها، يبدوا إيقاعها سريع جدا، لأن الحدث السياسي في هذا العقد كان أسرع كذلك، من اللحظة التي يقابل فيها بطل الرواية "أسامة بن لادن" في السودان، إلى اللحظة التي يشتغل فيها ذلك الشاب مصور حرب لصالح قناة الجزيرة القطرية، شيئا فشيئا يقع التطابق بين البطل وسامي الحاج، مصور الجزيرة السوداني، الذي اعتقلته القوات الأمريكية في أفغانستان واقتادته إلى سجونها في أفغانستان وباكستان وغوانتنامو، في كل مرة تعتقد أن المعاناة الحقيقية للبطل بدأت للتو يعاندك زيدان ليعطيك معاناة أكبر، المُحال والمحَال والمحِال كلها اجتمعت لتضفي على الرواية طابعا فريدا، يصور الكاتب بجزالة لغوية دقيقة عوالم جديدة عن القارئ العربي كــ"طادجكستان وباكستان وأفغانستان والإمارات العربية المتحدة" يمدنا بمعلومات حقيقية، كحديثه عن عملية النصب التي تعرض لها أسامة بن لادن في السودان، ولم يتأفف الأديب في تصور قمة تعذيب الأمريكان لسجنائهم، لحظة أن هتك واحد من الجنود عرض واحد من المعتقلين العرب في  سجون "باكرام" ذلك الحدث المأساوي ليس بغريب على الأمريكان ولا على المشاهد العربي، لكن تصويره بتلك الدقة واللغة المليئة بالشجن يبكيك مهما قاومت، لتستمر معاناة البطل في الرواية القادمة "غوانتنامو"..

                                

الجمعة، 16 مارس 2012

قصر الكلاوي الذي حول أكدز إلى معتقل رهيب 2/4



بقلم: سعيد بنرحمون
قصر الكلاوي الذي حول أكدز إلى معتقل رهيب
أول ما يثير انتباهك في هذه القرية الكبيرة، التي يقال لها تعسفا مدينة أكدز، هو  كمية الضوء الكبيرة في سماءها مقارنة مع الأمكنة التي قدمنا منها، فالشمس هنا ساطعة تستيقظ قبل الجميع مهما أبكروا، تبدوا أكثر إشعاعا، ربما لأن الجو لا سحاب يكدر صحوه، أو لأن المكان جبلي مرتفع، وربما لأن القرية تريد أن تخرج من دائرة الظلمة والنسيان، التي أدخلت إليها عنوة ولسنوات، غير بعيد عن الساحة المغْبرة باستمرار يتراءى لك منظر خلاب، واد من نخيل حسن التصفيف، فالمنطقة تقع في مجرى وادي "درعة" واهب الحياة لكل تلك الصحاري الجرداء، الوادي  يمتد على مسافة 1200 كيلومتر، كأطول واد في المغرب، يتسلل بين الجبال والصحاري في تفاني عجيب، يروي أراضٍ بدونه هي ميتة لا محالة، ويُنبت من ذلك الجدب حياة زاخرة، ومن ذلك القفر عمارة وعمرانا، من فوق "دار الباشا" تبدو أكدز مكتملة الأركان، بنخيلها وجبلها وسوقها وقصورها الجميلة، خضرة تبدأ من بعيد ولا تنتهي هنا، تجاري الوادي حيت يٌجرى مائه، تتخللها طرقات أو "مسارب" بيضاء، تقسم حقول النخيل إلى مربعات ومستطيلات، وبينها قصور تقاوم جاهدة فيروس السنين، وتتحدى النسيان، لونها منسجم مع المكان، طِينِيٌ جلبه الوادي من عَلٍ بعيد، وجبلٌ في شموخِ يستوطن الأفق، يبدوا كشيخ وقور هدَّهُ العمر فاستلقى علي ظهره تعبا، يرقب السنين تضفي على المكان فعلها المحتوم، وكأنك أمام  لوحة من بديع لوحات  مغرب القرن 19 للفرنسي "دو لاكورا" بل الواقع أروع، ، يقول للزائر قف أنت في أكدز، تأمل أنت في حضرة الجمال الطبيعي، أنت في واحة حياة تتخلص في صمت من تهمة خرق حقوق الإنسان، من تهمة اقتران اسمها بالمعتقل لعقود من السنين...
أينما تولي وجهة ترى الجمال، وأينما تلتف ترى بساطة وأناس من زمن الطيبوبة الآسر، الحياة هنا تمضي بإيقاع بسيط لا تَكلُف فيه، الكل يلقي التحية على الكل، وكأنهم عائلة واحدة، ومن يدري ربما يكون الأمر كذلك، في قلب المدينة/القرية واحد في سيارة والآخر على دابة هرمة، يجمعهما الطريق حديث الترصيص، نشاز لا يستساغ إلا هنا، يحليه  تواضع الجميع، "صباح الخير السي مبارك، صباح الخير السي علي"  يتصايح الاثنان وكأنهما يتحادثان من أمكنة متابعة كثيرا، ويمضيان كل إلى سبيله، جولة في سيارة مرافقنا لمدة ربع ساعة كانت كافية للوقوف على أهم معالم المدينة، شبه شارع متوسط الحجم، عندهم يوصف بالكبير، وساحة فقيرة دكاكينها إلا من ضروريات الحياة، وسوق رئيسية تشبه أسواق المراكز القرية، فيه كل شيء ولا شيء، والكثير من الطيبوبة، الوجوه هنا على محياها يبدو الاطمئنان والرضى الكبير بقسمة القدر، لكن الجمال الحقيقي يتوارى خلف الباسقات من أشجار النخيل، هناك حيث قصور الزمن الجميل، قصران في دوار "أكدز" متجاوران، ما يزالا يقاومان فعل السنين، واحد تشغله عائلة مالكه ليوم الناس هذا، والآخر مغلق إلى حين، تحفة معمارية مسنة، يعود تاريخ بناءها إلى القرن التاسع عشر،  تقنية تشييده بسيطة لكنها فعالة، يسمونها هنا "الطابية" أي البناء بالتراب والماء، عن طريق دك التراب بعضه ببعض حتى يصير حائطا قويا، سمكه يصل أحيانا إلى نصف متر، وقليلا ما ينجح الماء في التسرب إليه،  سقوف البنايات من جذوع النخل القوية والقصب والتبن مخلوط بالتراب، أقواسه محكمة الزوايا، تحمل فوقها الأثقال دون عناء كبير، عبقرية قاطن المكان تبدوا جليا في الزخرف والأشكال وضخامة المكان، يحتفظ البناء برونقه بفضل رعاية القاطنين فيه، فالبيوت مثل الناس، هنا وهناك وهنالك، إذا هجرت تموت، مساحات من نخيل باسق، وحقول من نبات محلي يزين الفضاء، بناية رئيسية من طابقين، يتوسطها فناء كبير غير مسقوف، غرف كانت زمان ما سكنى للقياد وخلفائهم، أبوابها كبيرة كأبواب المساجد القديمة، صممت بأن تضم مكانا صغيرا للنوم، سقفه يشبه سقوف محارب المساجد العتيقة، وهو مفتوح على فضاء أكبر قليلا، ربما كان يستغل، في فيما مضى، الأكل وحوائج أخرى، قد يجيب عنها درس التاريخ يوما ما، يحكي "أبو النعيم" عن ماضي القصر بفخر كبير، كيف وقف جده ضد خليفة "الكلاوي" قائد مراكش القوي، وكيف حافظ على قصره في زمن كان فيه القياد الكبار سلاطين حقيقيين لا يعصى لهم أمر، حديث كله شجون، أما الرجل المسن فذاكرته نشطة تستحضر كل لحظات الماضي البعيد والقريب بدقة كبيرة، مقاومة الاحتلال الفرنسي  بالمنطقة وبكل تفاصيلها، لقاءاته بمحمد الخامس المتكررة، والشخصيات الكبيرة التي استقبلها القصر، وماضي العائلة البعيد، باختصار مجحف الرجل مكتبة تاريخية يجب حفظها من الزوال، وحديث آخر ذو شجون ...
بتنا ليلتنا في قطعة التاريخ تلك، ساعات قليلة من النوم كفتنا ملئ الجفون، الاستيقاظ باكرا سنة يحرص عليها كل السكان المحليين، توجهنا أمتارا معدودة إلى قصر آخر يجاور الأول، أسواره عالية تحجب ما بالداخل، بنفس مواصفات الأول، فجأة وبدون سابق إنذار قال مرافقنا في وثوق كبير "هذا معتقل أكدز" أحقا هذا  الذي جرت بذكره الركبان؟ يجيبه ضيفنا "بل هنا هو الموت كله، وهذا هو المكان الذي رفض أن يكون قبرنا" ضيفنا لم يكن غير "محمد الرحوي" أكبر أعضاء مجموعة "بنو هاشم" سنا، تلك المجموعة التي استقدمت من معتقل "الكوربيس" في الرباط إلى القرية الهادئة بين الجبال سبعينيات القرن الماضي، أريد للمدينة  أن تكون قرب حياة يخفي المجموعة والصحراويين، فانقلبت الآية وأخفى المعتقلون أنفسهم وأكدز إلى ما شاء الله من السنين، المعتقل يجاور بيوت السكان وبعض القصور الخربة، بابه كبير من خشب وقصدير، على شاكلة الأبواب في المدن القديمة، دفتان وباب صغير في الدفة اليمنى، ينفتح أمامنا بكل يسر، هو نفس الباب الذي ابتلع بالحياة أناس مظلومين، وظل لسنوات موصدا يخلق المعاناة ويخفيها، في ظاهره الرحمة ومن باطنه العذاب الأليم، المعاناة كلمة مهما عبرت لا تستوفي المعنى...
يلج الرحوي البناية أولا، ونتبعه مطأطئي الرؤوس خاشعين، فللمكان رمزية يجب احترامها، ففيه أزهقت أرواح في غفلة من الزمن، وبه أنزلت دموع عزيزة، وسفكت  دماء زكية، وضاعت أحلام شباب لا يَعرف لحد الساعة بأي ذنب اعتقل، فوق الباب غرف صغيرة وضعت تحت تصرف الحراس، كراسيها  والطاولات من تراب،  ثم تستقبلك الساحة الفسيحة الغير مغطاة، على يسارها تهدمت أو تكاد  الغرف الصغيرة، التي كانت مرابط  للخيول قديما، بعض الأمتار وتجد الدار الأولى من البناية، من قصر الكلاوي، غرف في البدء كانت متعددة الاستعمالات ، لكنها  زمن الاعتقال تستخدم بهدف واحد ووحيد، التعذيب والاعتقال وإذابة الأجساد جوعا ومرضا وتعفنا، هنا كانت المرحلة الثالثة والأخيرة من اعتقال المجموعة، هنا كانت الشمس عزيزة المنال، رغم توفرها بالخارج وبالمجان، هذه البناية مكونة من طابقين، الأول كان زنازين المعتقلين، والثاني غرف الحراس الآخرين، تبادل النظرات من أسفل إلى  أعلى في عُرف الحراس إثم كبير، يستحق مرتكبه أقصى أنواع التنكيل، بعض الغرف الصغيرة في هذه الدار كانت تستعمل مراحيض، معانقة نجوم السماء أيسر من الوصول لها، بين الدار الأولى والثانية ساحة أصغر، بها بعض النخلات الشاهدات على ظلم البشر للناس، باب الدار الثانية خشبي كامل الهيئة لم يفعل فيه الزمان فعله، باطنه شهد اللحظة الأولى لقدوم المجموعة، شهد التسليم والتسلم، هو الآخر مكون من غرف عديدة، كانت اثنتان منها زنازين للمجموعة، والبقية زنازين للصحراوين، بدأت أسقف هذه الغرف الجميلة تتساقط الواحدة تلو الثاني، شبابيكها حديدية غاية في دقة التصنيع، في واحدة من نوافذ تلك الغرف، يحكي الرحوي، كيف وضع السجان لفافة كبيرة من كتان أبيض، كفن كان ينتظر الجميع، ما أن يتقلص حجمه حتى يقوى من جديد، ما كان يعذبهم أكثر أنه كان بارزا يمر عليه الجميع جيئة وذهابا، ليذكرهم أنهم هنا ليموتوا صابرين....

الثلاثاء، 13 مارس 2012

الطريق إلى أكدز 1/4


في ساحة متوسطة الاتساع، ليست مرصوصة كليا وليست متربة كليا، وأمام مقهى فارغة إلا من أناس ينتمون للمغرب العتيق، ثيابهم رثة قريبة إلى الأسمال، وقف بعض الحمالة بعرباتهم اليدوية في انتظار انفتاح الأبواب، غير بعيد عنهم تراصت عربات أخرى تجرها دواب، توقفت الحافلة مطلقة زفرة قوية، خلفت غيمة من تراب، اندس داخلها حمالة الأمتعة دون كبير مبالاة، توقفت الحافلة بعد ليلة مضنية من السفر ومن العذاب، خاصة في مقطع "تيشكا" الرهيب، الطريق إلى أكدز يُختصر في هذا المقطع الشهير، في ذلك المكان الذي يقال إنه أية من جمال البلاد، لكن الخوف والظلمة الشديدة لم يتركا مجالا لتأمل أي شيء، هناك تقف على حقيقة أن السفر قطعة حقيقة من عذاب، ومن خوف، ومن معاناة، رهبة الطريق جعلت الألسن تلهج بذكر الله، عله يكتب لها السلامة في كل لفة تلفها عجلة الحافلة المنهكة، الطريق لا يستقيم خط سيره أكثر من نصف كيلومتر على الأكثر، قبل أن يلتوي من أقصى إلى أقصى، في الصعود وفي النزول، وعلى جانبيه جبال منحوتة وأشجار عملاقة ومنحدر موت سحيق، كل شيء في هذا الطريق يميل إلى التطرف، ضيقه بالكاد يسع حافلتنا وسيارة من الحجم الصغير، انحدار حافته، اليمنى تارة واليسرى تارة، سحيق يقول أن الطبيعة هما ما تزال عصية عن الترويض، ضخامة مقاطع الجبل المنحوت تشي بالعظمة، وحتى الأشجار متطرفة الضخامة، أما السائق فهو أكثر الأشياء تطرفا هنا، يمضي بالركاب الهلعين بسرعة تبدو لهم قاتلة ويراه هو عادية، ولا أحد يستطيع أن ينبس ببنت شفة، رباه هل توجد في هذا المكان حياة؟ كيف يصمد الناس هنا؟ كيف تستطيع أعصاب هذا السائق تحمل كل هذا الرعب؟ والأدهى طيف يتسنى لهم السفر في هذا المكان ليلا؟ أضواء الحافلة تكشف لنا عن وجه الموت المتربص بنا في كل مكان، تريك قبل الانعطاف شيء من الرعب وتخفي أشياء، وكأنها تُكبر عليك رأيته قطعة واحدة، لتُنهي مسلسل تشويقها المرعب في نهاية المسير فترى وجه الرعب القبيح كله.
فجأة اتسع الطريق وبات قادرا على احتضان بعض الحافلات في كلا الاتجاهين، تصل الحافلة بعد ساعات طوال، تخالها من ثقلها عمرا، إلى مكان ما بين الجبال، فضاء مؤتة ببعض الدور المعلقة في حضن الظلام، وبعض المقاهي العتيقة المتزاحمة على ضفتي الإسفلت، رائحة اللحم المشوي على الفحم تزكم الأنوف، لكن رائعة رعب الطريق كانت أقوى فأزكمت القلوب قبل الأنوف، تصطف حافلتنا جنب الأخريات، وينزل الركاب تباعا من بطنها الملآن، وكأنها أصيبت بالدوار من كثرة اللفات، فأخرجت ما في بطنها عن أخره، تلامس أرجل الناس الأرض، فتراهم سكارى وما هم بسكارى، يستشعرون الحياة تعود إلى قلوبهم بدفء غريب، حقا الأرض أمنا الحنون، وأماننا الحقيقي، لا أمان في البحر، ولا أمان في الجو، ولا أمان في ركوب الطريق، لم ينتبه أحد للوقت، وهو أيضا لم يعرنا اهتمامه، خوف الناس كان أقوى منه، بل ثقله تحالف مع الظلمة فزاد من خوفهم، كم تضرعوا إليه أن يزيل عنهم رداء الليل الثقيل، لكنه أبى وأصر على اللعب بدقات قلوبهم، يسرعها طورا ويبطئها حد التجمد أطوارا، في هذا المكان الوقت سيد مهاب، يمضي بطئ ثقيلا غير مبالٍ بالخائفين ولا بالمطمئنين.
السائق ومرافقه منهمكان في افتراس قلب "طاجين" أسود الجوانب هرم الطين، ما يزال دهانه يتصاعد، أما الركاب فيستعيدون أنفاسهم الهاربة رويدا رويدا، البعض بدأ ينسى ما حاق به من عذاب المنعطفات، ويطلب بعض الأكلات، كيف يطيب لهم الأكل وما يزال نصف الرعب، أو يزيد، بانتظارهم؟ كيف يأكلون ومن قبل كانوا يفرعون أجوافهم من فعل اللفات؟ استأنفنا مسير الخوف بعد أن ابتعدنا عن مكان الاستراحة قليلا، توارى ضوء المكان واتساع الطريق، وعادت المنعطفات تمسك بخناق الحافلة، فتجرها ذات اليمين وذات الشمال، ومع انجرارها كانت تنجر القلوب، فترقص وجلا، كنا هذه المرة نهم بنزول الجبل، فاه بعض الركاب، بل كنا ننزل جبالا لا نهاية لها، ونطل على وديان سحيقة لا قرار لها، في النزول تتسلل الحافلة وكأنها أفعى تطارد ضحيتها، أي سِنَةٍ من سناة النوم تنجح في مداعبة أعين سائقنا، ولو للحظة بسيطة بعد "طاجينه" الدسم، نكن بعدها من الهالكين، شيئا فشيئا بدأ شخير الركاب يعلو صوت العجلات، تلك التي كانت تئِن من وقعها على إسفلت الطريق، أو ما تبقى منه، إسفلت هذا الطريق شهد وهج شموس الصيف وثلوج الشتاء سنوات عديدة، داسه الفرنسيون المحتلون، ذات غفلة من تاريخ البلاد، وسلكه جيش التحرير، ذات إشراقة من نفس التاريخ، كيف يستطيع هؤلاء القوم النوم؟ كيف يغالب التعب والسهر قلوب الخائفين؟ لكن بالمقابل لما يستيقظ الخائفون؟ هل تنفع اليقظة مع مثل هذا المكان؟ مصيرهم بين يدي السائق، بل بين يدي الطريق، المهم أن لا ينام السائق، وأن لا تغفل عيني عن ملاحظته والطريق، بين الفينة الأخرى يطل علينا ضوء شاحب من بعيد، يقترب فنتبين حقيقته، وأحيانا يتوقف ليفسح لنا الطريق، أو نتوقف لنعطيه ما فضل عنا منها، هنا لا مجال لتهور السائقين، فالنتيجة محتومة ويعرفها الجميع، ولا نتمناها لأي كان.

أخيرا بدأت الظلمة تلد النور، مخاض شهدت مراحله والحافلة تلتوي بين قمم الجبال، كان لرأياه وقع ساحر في ظروف أقل قساوة، لكن الخوف سرق كل إحساس جميل، ولم يترك لنا إلا التوجس والهواجس، النور أمان ويقين، يبعث في النفس السعادة والاطمئنان، الظلمة شك ومجهول وخوف ثقيل، يحث النفس على الانقباض وعلى الحزن الشديد، بدأ الاطمئنان يكبر فينا مع أولى أشعة الشمس، ومعها بدأت معالم المكان تتضح، ما عادت الجبال ضخمة كما السابق، واختفت الأشجار كلية، لكن المنعطفات القوية تصر على إدامة رعبنا، المشهد أضحى مكون من تلال بسيطة الارتفاع، ووديان جرداء سحيقة لا حياة فيها، وأفق مكشوف لا يتغير، ثم استوت الأرض، وكأنها لم تكن متضرسة أبدا، بات المشهد رتيبا، عاد الاطمئنان وأخذ التعب يتسرب إلي أعين الساهرين، فالخائفون لا يتعبون، وإن تعبوا ينهارون، بدأ نعاس لذيذ يداعب جفني المنهكين، وبدأت أشعر بألم في قدمي، أزلت الحداء، وحاولت تسوية مقعدي للخلف، لم أشعر إلا والشمس الحارقة تلفح وجهي من زجاج الحافلة "أفق يا هذا لقد وصلنا، حمدا لله على سلامتكم" صاح مساعد السائق البدين، بصوبة تستعيد أطرافك، رغبة واحد تعتريك، ملامسة الأرض والنوم العميق، الساعة كانت تشير إلى تمام الحادية عشر صباحا وسط مدينة يقال لها "أكدز" ويحرسها جبل شامخ من أحد جهاتها يقال له جبل "كيسان".

الثلاثاء، 6 مارس 2012

قرن عن الحماية...قرن من التردد

بقلم: سعيد بنرحمون

بحلول الثلاثين من مارس الحالي تكون قد مرت مائة سنة على توقيع عقد الحمايةعلى الاحتلال الفرنسي للمغرب، احتلال غُلف برداء عقد للحماية، المناسبة جديرة بأن تدفعنا إلى سلسلة من الناقشات الجادة والرصينة بين المغاربة والمغاربة أنفسهم ثم بين المغاربة والفرنسيين المحتلين سابقا، مناسبة مثل هذه تستحق من قنواتنا العمومية أن توقف خلالها موادها المملة والمكررة لتكثف من برمجتها الجادة حتى نحلل فترة من أحلك فترات الدولة المغربية الراهن تاريخها، مناسبة سانحة لاستحضار للذكرى الكبيرة، هي بكل تأكيد أعمق وأكبر من اليوم العالمي للنساء الذي خصصت له القناة الثانية أسبوعا كاملا من البرامج الخاصة، مناسبة نضع فيها الجميع في صورة ما حدث أنداك، وكيف حدث؟ ولماذا حدث؟ وما الجدوى من حدوثه أساسا؟ وهي فرصة مواتية للتعرف على التضحيات الجسام التي بدلها مغاربة من دمائهم لتخليصنا من مواثيق تلك المعاهدة، لنطرح على أنفسنا أسئلة كبيرة من مثل، ماذا تحقق من سلسة البنود القصيرة المبنى والكبيرة والغامضة المعنى، قطعتها فرنسا على نفسها تجاه السلطنة المغربية أنداك؟ وما الذي لم يتحقق منها؟ لماذا لم تظهر لحد الآن النسخة العربية من عقد الحماية؟ وأسئلة أخرى على قدر كبير من الأهمية. بين المغرب وفرنسا، بين السلطان "عبد الحفيظ" ممثلا للمغرب وبين سفير فرنسا بالمغرب "رينو" أو بعبارة أخرى تكون قد مرت مائة سنة

بحلول سنة 1912 لم تعد فرنسا قادرة على الصبر أكثر لتحوز المغرب إلى مستعمراتها وراء البحار، خاصة أنها كانت قد ضيعت الفرصة السانحة لاحتلال سنة 1905، أي بعد المناورة الفعالة التي أتخذها المولى عبد العزيزي، حيت خيب مسعى "دلكاسي" الوزير القوي للخارجية الفرنسي أنداك، تفاصيلها تستحق أن تكتب بمداد الذهب في مجلد تاريخ هذا القطر من العالم، ويستحق صاحبها أن نعلي من شأنه لا أن نكرر بعلم وبغيره إشاعات أعداءه المغرضة في حقه، فباستدعائه لأول مجلس "شبه نيابي" في تاريخ المغرب "مجلس الأعيان" المشكل من حوالي أربعين شخصية من العلماء والوجهاء وأشياخ القبائل والقياد وغيرهم، أفشل هذا السلطان المغبون كل مخططات فرنسا على البلاد حينئذ، والتي جاءت في صورة إصلاحات يتوجب على السلطان اتخاذها، فأبطأ الاحتلال بضع سنوات ووضع أولى لبنات الدولة الحديثة في البلاد، كما أن العقبة الكبيرة الحائلة بين المغرب وفرنسا تم تدليلها من خلال ما سمي بالاتفاق الودي مع الإنجليز، أما الألمان الواقفين بالمرصاد للفرنسيين فوقع التفاهم معها سنة 1911، وحتى الإسبان الضعاف، بالمقارنة مع الآخرين، فقد تم استيعابهم من طرف الأنجليز وخصص لهم نصيب من بلادنا، فتم إدخالهم في الاتفاق الودي، ليكونوا حائلا بين الإنجليز وبين الفرنسيين شمال البلاد، على أن الأخيرين احتفظوا لم يستسيغوا لهذا السلطان الشاب تلك الإهانة، لم يستوعبوا كيف يرفض هذا السلطان الضعيف، في نظرهم، والذي يقود بلد فقد كل قدرة على الحركة، إصلاحاتهم المزعومة، كيف يستقوي عليهم بمجلس للأعيان أرهق السفير الفرنسي بالمفاوضات ليعلن في النهاية رفضه لكل الإصلاحات، فلم يتأخر ردهم طولا حيث ساندوا الجيلالي الزرهموني الشهير "ببوحمارة" بل واحتلوا وجدة سنة 1907 وقصفوا الدار البيضاء وقتلوا أهلها في نفس السنة، بعد انتفاضتهم الخالدة، التي سميت في كتب التاريخ انتفاضة الشاوية.

تمضي السنين وتأتي أخرى وتحتضن الدار البيضاء، تلك المدينة التي قنبلتها البارجات الحربية الفرنسية في بداية القرن الماضي، فعاليات منتدى باريس، ففي الفاتح من فبراير العظيم من هذه السنة، وبعد مرور قرن من الزمن، اجتمع في أحد فنادقها المقام بالقرب من "حي التناكر" الذي سوته وأهله القنابل الفرنسية بالأرض، ضيوف من العيار الثقيل، مغاربة وفرنسيين، تحدثوا في أشياء كثيرة، في السياسة والاقتصاد وما يوجد بينهما، وجاء الحديث عن اقتراب ذكرى مرور قرن على توقيع عقد الحماية بين المغرب وفرنسا عرضا، حين تدخل المستشار الثقافي للسفارة الفرنسية في المغربية وسأل حسن أوريد، أحد أبرز أولائك المشاركين، عما يمكن أن تفعله سفارة بلاده لتخليد هذه الذكرى، فأجاب المحاضر (أوريد) بالكثير من الدبلوماسية واقترح أن تقعد سلسة من النقاشات تهم التاريخ والحاضر، الأكيد أنها ستعطي أشيء يمكن القيام بها، مرت الأيام وجاء مارس برياحه القوية وأمطاره الشحيحة، ونسي الجميع تلك الإشارة الدالة، لا بوادر لأي نوع من أنواع النقاش العمومي حول الحدث الفارق في تاريخ البلاد، بل وصادف الشهر أن انتقل إلى عفو الله واحد من أخر المقاومين للاحتلال الفرنسي للبلاد، أبو بكر القادري ولم يحرك ذلك ساكنا لدى الجميع، فأين الخلل؟ أتكون ذاكرتنا الجماعية بكل هذا الضعف؟ أنكون حقا في غنى عن درس التاريخ؟ كيف تبني هويتنا بعيدا عن التاريخ؟

وبالعودة إلى الحدث نتساءل ماذا تحقق من وعود فرنسا تجاه المغرب، ماذا تحقق من بنود عقد الحماية في صيغته العربية السرية، تلك الصيغة التي وقع عليها المولى عبد الحفيظ، سلطان الجهاد الموؤود، هل أدخلتنا فرنسا إلى جنة الحداثة الموعودة فعلا، أم أننا لا نزال نبارح صدمتها لا أقل ولا أكثر، هل حسمنا مع أي من الخيارات المجتمعية التي نريد، الأصالة أم المعاصرة، ولا نكذب على أنفسنا بالقول إننا يمكن أن نعيش الأولى دون أن نفرط في الثانية أو العكس، هما حالتان لا تلتقيان، ألم يبارك واحد من أعقل أبناء فرنسا هذه الوضعية، فقد حافظ المقيم العام "ليوطي" لوزراء السلطان الصوريين على مكاتبهم "بنيقاتهم" واختصاصاتهم جنبا إلى جنب مع الحكومة الفرنسية الحقيقية، وليزيد من تكريس وضعية الازدواجية هذه، كانت أول المناطق التي زارها بعد عودته من فرسنا، من رحلة الاستشفاء التي أخذ فيها بأحدث أسباب الحداثة الطبية أنداك، كان ضريح المولى إدريس ليشكره على وقفته معه في مرضه كأي مغربي أصيل، بل وامتنع عن دخول الضريح لأنه يحترم الأماكن ذات القدسية لدى المسلمين، ألم يكن ذلك أكبر ضحك على ذقون المغاربة، أم أن الرجل حافظ للبلاد على ما تسميه خصوصية إلى يومنا هذا.

مياه كثيرة جرت تحت وفوق الجسور، أنجزت فرنسا مشاريع التحديث في المناطق المفيدة لها، السهول الخصبة، حيت استقر المعمرون، والمناطق المنجمية، والمناطق الساحلية، أبقيت باقي البلاد تعيش قرونها الغابرة بكل اطمئنان.

خرجت فرنسا وبقيت ازدواجيتنا تسكننا، وبقيت معها تردداتنا تجاه الخيارات الثقافية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية الكفيلة بإدخالنا إلى طور الدولة الحديثة، تلك الدولة التي أنجزنا هياكلها واحتفظنا بممارسات تعيد إلى العصر الوسيط، مناسبة مرور قرن على توقيع عقد الحماية فرصة لن تتكرر لنقيم تجربتنا المغربية من كافة نواحيها، ونحسم في تردداتنا الكثيرة، فالحسم هو السبيل الوحيد أمامنا لنحقق بعضا مما جاء في وثيقة الحماية.