الجمعة، 21 ديسمبر 2012

خليل جمال يشرّح واقع البحث السوسيولوجي في المغرب

بقلم: سعيد بنرحمون

عددُ الباحثين في علم الاجتماع في المغرب لا يتجاوز في أحسن الأحوال 400 باحث، بمعدل باحث واحد لكل 100 ألف مواطن مغربي، رقم صادم ألقاء خليل جمال، الباحث في علم الاجتماع من كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق أمام من حظر ندوة "أي دور لعلم الاجتماع في المغرب الراهن" الذي احتضنته المكتبة الوسائطية التابعة لمسجد الحسن الثاني بشراكة مع رباط الكتب، المجلة الإلكترونية المتخصصة في الكتاب وقضاياه في المغرب، الندوة انعقدت مساء الأربعاء 12 من الشهر الجاري بحضور عدد من المهتمين بعلم الاجتماع من أستاذة وطلبة وكذا أستاذة من حقل التاريخ وطلبة من ماستر الفضاء المغاربي والعالم المتوسطي وجمهور عام.
اختار خليل جمال أن يقارب موضوعه عبر الانطلاق من الواقع الموضوعي الذي يتسم به البحث السوسيولوجي في المغرب، بدل الانطلاق من تجربته مع علم الاجتماع أو الانطلاق من خبرته وخبرة من يعرفهم من علماء الاجتماع ليعمم نتائجه على واقع البحث السوسيولوجي المغربي، وفي هذا الإطار طرحت على  الباحث العديد من العراقيل لعل أهمها غياب إطار مؤسساتي واحد وجامع لكل الباحثين السوسيولوجيين المغاربة، يعّرف بأبحاثهم وتخصصاتهم وإنجازاتهم العلمية، وهو ما يعيق اللقاءات العلمية الجامعة، لا واقعيا ولا افتراضيا، بين كل الباحثين في حقل السوسيولوجيا على غرار ما يقع مثلا في حقل التاريخ مع الجمعية المغربية للبحث التاريخي التي تجمع جل الباحثين المغاربة في التاريخ في لقاء علمي سنوي واحد، واعتبر خليل جمال أن البحث السوسيولوجي لا يتطور بدون تلك اللقاءات العلمية، التي تتيح تبادل الخبرات والمعارف، وفي هذا الإطار استشهد الأستاذ الباحث بما يقع في أمريكا حين يضم لقاء علمي واحد أزيد من 2000 باحث من أصل 15 ألف باحث سوسيولوجي في أمريكا لوحدها.
في جوابه على سؤال لماذا علم الاجتماع وما الحاجة إليه؟ تسائل الباحث عن مشروعية طرح مثل هذا السؤال على علم الاجتماع لوحده لأن مثل هذه الأسئلة لا تطرح على بقية الحقول المعرفية وخاصة "الدقيقة" منها، على حد تعبير الباحث، وفصل القول وطائف علم الاجتماع قائلا "السوسيولوحيا تسعى من خلال اشتغالها على الإنسان إلى دراسة ديناميات المجتمع، كما تولي عنايتها للسلوك الاجتماعي وكيفية إنتاج العلاقات والمواقف بين المجموعات المشكلة للمجتمع، أي دراسة المنطق الاجتماعي وتوسيع قاعدة حقول الإنسان وغيرها من الوظائف" وأجمل أهمية علم الاجتماع في "إزالة الاعتقادات السحرية عن ظواهر المجتمع كافة لتفهما علميا".
وفي توصيفه لواقع السوسيولوجيا ومسيرتها التاريخي في المغرب أكد الباحث أن علم الاجتماع دخل إلى المغرب عبر الاستعمار الفرنسي، رغم أن بدايته كانت عن طريق بن خلدون لكن عبقرية هذا الأخير لم تيلها أي ممارسة أن تنظير فيما بعد، سعت سلطات الاحتلال الفرنسي إلى دراسة المجتمع المغربي بشكل دقيق حتى يتسنى لها التعامل معه في أفق تطويعه لتنفيذ مشاريعها عليه وهو ما كان فعلا عب العديد من الدراسات الاجتماعية البارزة، وبعد الاستقلال تأسس معهد السوسيولوجيا سنة 1960 لو يعمر أكثر من 10 سنوات، لأنه كان مرتعا لتصريف المواقف اليسارية المعارضة للحكم أنداك، كما أكد الباحث، وأطلقت فيما بعد الدولة تأسيس شعب تجمع الفلسفة والسوسيولوجي وغيرها، بعد ذلك في إطار حسابات سياسوية محددة، تميزت السوسيولوجيا في تلك الفترة بسيطرة الروح النقدية الماركسية فيما يشبه السوسيولوجيا المناضلة. وعملت الدولة على إنشاء شعبا خاصة بالسوسيولوجيا بعد الإصلاح التعليمي، وتحديدا سنة 2004  فصار الطلب كبيرا عليها، حتى بلغ عدد الطلبة الراغبين في الانتساب إلى السوسيولوجيا في فاس لوحدها 700 طالب، في ظل واقع يتميز بالضعف الكبير على مستوى التكوين والتأطير في المجال.
نصيب الأطروحات الجامعية في السوسيولوجيا يصل إلى 318 أطروحة من أصل 10 ألف أطروحة إلى غاية 2007، حسب إحصاء أنجزته مؤسسة الملك عبد العزيز للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية، نشرت منها 113 فقط والبقية ظلت حبيسة رفوف الجامعات، وتشكل الأطروحات المنجزة بالعربية حوالي 30 % منها والبقية باللغات اللاتينية (حوالي 70% منها وخاصة بالفرنسية)  أما فيا يخص الموضوعات المشتغل عليها من طرف الباحثين السوسيولوجيين فهناك 47 أطروحة في  الإثنولوجيا، و38 في الشغل وقاضياه، و48 أطروحة في علم الاجتماع السياسي، و49 أطروحة في علم الاجتماع القروي، و27 أطروحة في الدين وقضاياه، و27 أطروحة في الأسرة، 30 أطروحة في الجنس والنوع، و25 في علم النفس الاجتماعي، و26 في الهجرة، وفي الهشاشة أنجزت 9 أطاريح، و26 في علم الاجتماع الاقتصادي، وأعدت 10 أطروحات في السوسيولوجيا العامة..
وعلى مستوى الأطر البشرية ومن أصل حوالي 400 حاصل على الدكتوراه في هذا الحقل العلمي الحيوي فقط 120 منهم من لم يغادروا المغرب، يشتغلون حاليا على الموضوعات التي حصلوا فيها على أطاريحهم في الغالب، وهكذا سجل الباحث 8 باحثين يشتغلون على الدين، و9 على تنظيمات الشغل، و12 باحثا يعلمون على الجنس والنوع، وفي علم الاجتماع السياسي هناك 12 باحثا يولونه اهتمامهم من خلال مواصلة الاشتغال عليه كموضوع، و9 يشتغلون على الاثنولوجيا، و8 على علم الاجتماع القروي ومثلهم في الهجرة، و9 باحثين يشتغلون على علم الاجتماع القروي، و4 في موضوع علم الاجتماع العام ومثلهم في التربية، و6 باحثين في الأسرة، وباحثان في الانحرافات، وثلاثة يعملون على الهشاشة ومثلهم على الحركات الاجتماعية.                    

الثلاثاء، 11 ديسمبر 2012

الترامواي والتكتك

سعيد بنرحمون

غذا تعطى انطلاقة وسيلة نقل محترمة تعيد للبيضاويين جانبا من كرامتهم المهدورة بسبب وسائل النقل العمومية المنتمية إلى الزمن الغابر "غبر الله كمامير من فرضها علينا كل هذه السنين" المفارقة أن الترامواي المنتظر سيجوب شوارع البيضاء رفقة "التكتك" فيما يشبه الأصالة والمعاصرة، ولا نقصد طبعا "البام" ولو أن الأمور تتشابه...الليلة ومن أمام موروكومول كان صف من هذه "التكاتيك" ينتظر مستخدمي المول ليقلهم إلى أقر
ب حي سكني، الشاشة العملاقة كانت تطلق أشعتها المختلفة الألوان فتصيب أوجه الشباب والشابات بأضوائها القوية لتخفي سحناتهم الشاحبة من التعب، اللوحة الإلكترونية تعرض إعلانات لأفخم السيارات وهو ينتظرون مزيد من المتاعيس لملء "التكتك" وصل عدد من اندلق إلى بطنه 10 من الشباب والشابات في عمر الورد وصاحبه ما يزال ينادي على آخرين، رجال الأمن الدراجيين على مقربة يتفرجون دون أن يحركوا ساكنا، لم يتحرك التكتك من مكانه إلا وعدد الركاب يصل إلى 13 راكبا، 7 شابات و6 شبان، ضيق المكان يجعل أرجل الركاب تلاصق بعضها وهم يجلسون متقابلين، فترى الشاب يجلس فاتحا رجليه لتمدد الشابة المقابلة له رجليها بين رجليه، وبدون عملية الفتح هذه يستحيل أن يضم "التكتك" الركاب أجمعين، التعب وهدر الكرامة لا يترك لأحد التفكير في أي شيء، عندما قرر الشاب صاحب "التكتك" الانطلاق كان لابد أن يشغل جهاز الكاسيت بمكبرات صوته الكبيرة، فانطلقت المغنية بصوتها "الجالوقي" عاليا، مثلما انطلق صوت محرك "التكتك" أعلى، صار الضجيج لا يطاق، الجميع كانوا صامتين، لا أعلم هل من تعبهم طيلة يوم العمل في أغلى محلات التسوق؟ أم لتحملهم لهذه المفارقة المتعة حقا؟ نهارهم في "موركومول" بين علية القوم ولكي يصلو بيوتهم مساء عليهم ركوب التكتك الأشبه بعلب أعواد الثقاب، انطلق الأخير يزاحم سيارات عين الدياب الفارهة "بلا حشمة أو حياء" في كل لفة يميل تتمايل معه قلوب راكبيه، هنا ينقلب أو هناك، أصحاب السيارات يحملقون في ركابه في إشفاق بغيض، وبعضهم لا يتورع في رمقهم بنظرات تحقير لا تخفى..

السبت، 24 نوفمبر 2012

أمسية غريبة

سعيد بنرحمون
أمسيتي اليوم كانت عجيبة غريبة، بدأتها بندوة لشيخين سلفين محترمين، محمد الفزازي وعبد الوهاب رفيقي المشهور بأبو حفص، وباحثين محترمين، كان اللقاء علميا تنويريا شرح فيه الباحثان والشيخان كل ما يتعلق بالقضية السلفية في المغرب، كان الجميع يحاكم الشيخين بطريقة أو بأخرى عن اختياراتهما، وكانا الشيخان يبرران ويشرحان ويستفيضان.. صاح الفيزازي "هذا مغربنا ويجب أن نحافظ عليه، لما يطلب منا أن نقوم بالمراجعة وغيرنا من اليساريين حمل أفكارا أكثر جدرية من أفكارنا يوما ما ولم يطالبه أحد بمراجعة أفكاره" المهم كانا التواصل وكانت تمغرابيت في كل شيء، رغم أننا كنا محشورين في غرفة صغيرة بعد أن منع اللقاء في الفندق، فكان بعضنا يتخطى رقاب البعض من شدة الزحام، بعدها حضرت عرضا للأزياء في فندق فخم جدا، غاب التواصل وحضرت أشياء أخرى، مغاربة من نوع آخر، الوجوه تلمع من أثر النعم وبعض مساحيق تجميل علية القوم، الأجساد لا تلبس من الأثواب إلا ما قل ودل وقد لا يدل أصلا، فدلالة اللباس نسبية تختلف من مغاربة إلى آخرين، هنا دلالتها أكثر من نسبية، هناك كان الشيخان يلتزمان التقصير وهنا السيدات يلتزمن "التقزيب" في الأثواب، هناك في ندوة السلفية سأل أحد الحاضرون الشيخين عن تقليد سلفيِّ المغرب لسلفيِّ المشرق في اللباس، وهنا في الفندق لا أحد يسأل الأخرين عن تقليدهم للغرب في اللباس أو بالأحرى العري، حتى عرض الأزياء كان يحاول تحريف القفطان المغربي عن سيرته الأولى، ولأني لم أجد ذاتي في هذا الجو الغريب فقد غادرت قبل نهاية العرض، غادرت والموائد تعد بما لد وطاب من أصناف المشروبات والحلويات، أوجه الغرابة لم تنتهي بعد، في سيارة الأجرة كنا ستة أجساد مكدسة فوق بعضها، وروائح الخمر الرخيص تتطاير من الأفواه  الهرمة المهدمة "ما بقا لبوهم غير الخمر زعمة سالاو كل شي "  ساعة حقيقية من الجحيم، قلت بعدها لقد انتهت رحلتي الغريبة، وصلت الحي الشعبي الذي أسكنه، والذي صار وحشيا بما تحمل الكلمة من معنى، الليلة عاشوراء، في كل زقاق إطار سيارات تحرق وشباب يتحلقون حولها مثل تحلق البدائيين حول صيدهم يشوى، كم هائل من الشتائم والتقافز حول النار والموسيقى العفنة الصاخبة والرقص السمج والعراك هنا هناك وقنابل صغيرة تفرقع في كل مكان، وحدهم رجال الأمن من يختفون عن المشهد، وكأننا نعيش في بلد خارج القانون، والمشكل أن الأمن لو أراد أن يقوم بدروه في هذه الأمسية الغريبة لما كفت سجون المملكة السعيدة كل المساطيل، من هذه الأمسية الغريبة خرجت بخلاصتين، الأولى أن ممارسة الصحافة يوم السبت أمر مليء بالتناقضات الصارخة، والثانية أن العيش مع هؤلاء "الناس" أمر مستحيل...

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

الصمت حكمة

سعيد بنرحمون
قالو الصمت حكمة ومنه تفرقت الحكم، وقد يكون جبن ومنه يولد ويتفرق الظلم، وقد يكون مجرد فراغ وفقدان شهية الكلام...

أحيانا يصير القلم بين أصابعنا أثقل من صخرة سيزيف، ويصير الضغط على أحرف لوحة الكتابة مثل الضغط على الجمر بالأنامل، ما أبشع النفس حين تضرب عن الخيال، حين يثقل عليها الواقع بمشكلاته، حين يقنعها أنها إشكاليات، أحيانا نشتاق للحظة حزن صادقة تلهم فينا  فكرة من القلب، أعتقد أن الحزن أبو الأفكار، والفرح أبو النجاحات، اللاحزن واللافرح هو الموت الأكيد.

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

جدران بلادي وجدران الفايسبوك

في بلادي كل الجدران آيلة للسقوط، كل المدن عشوائية البناء، ليلة ماطرة بغزارة، أو زلزال صغير، لا قدر الله، يمكنه أن يأتي على كل الحيطان، أو الحيتان كما يسميها المراكشيون، وحدها حيطان الفايسبوك من يمكنها الصمود، الحمد لله أن إقامة حائط على الفايسبوك لا يتطلب رخصة من جماعة الأميين، أو رشوة لقائد أو مقدم الحي، كم من ساكن "براكة" يتوفر أبناءه على جدران عديدة على الفايسبوك، وهو لا يتوفر على حائط حقيقي واحد في الواقع، لو أقام سكان "البراريك" والعشوائيات أربعة حسابات فيسبوكية لصار لهم أربعة جدران افتراضية تقيهم برد الشتاء القادم، لكن الخوف كل الخوف أن تطالب الحكومة بضريبة على الجدران الوهية، وأخرى على الجدران الفارغة، بعد أن فشل الحاج نبيل، ومعه الحكومة الصحافية فقط، في فرض ضريبة على الشقق الفارغة..

أو قد يشترك عدة أشخاص في إقامة غرفة واحدة من حيطان بملكية مشتركة، لأن الجدران الفيسبوكية ستصبح غالية الثمن، بعد أن يكتشف السماسرة حيلة الفقراء هذه، وقد يتطور الأمر ليصبح لنا مضاربون عقارين في الجدران الفايسبوكية، وجدران يوقفها أصحابها على ذريتهم، لتنشأ الحكومة وزارة للأوقاف الفايسبوكية، ويقع التلاعب في تفويتها للمحظوظين من المنعشين الفيسبوكيين، وقد نطور الفكرة ونقترحها على أخوتنا الفلسطينيين في مؤتمر فيسبوكي خاص، ليكفوا عن تعكير صفو  الصهاينة فيما يخص المستوطنات.

السبت، 3 نوفمبر 2012

في محطة القطار الحزينة

بقلم سعيد بنرحمون  

وحيدا جلس يرقب الحياة تمضي أمامه مسرعة، ساعته الكبيرة في معصمه النحيف شبه متوقفة، عقاربها شاخت قبل الأوان، كلما التقى اثنان منها، أثناء الدوران، قررا التوقف عن تشخيص تلك المسرحية السخيفة، وتساءلا بكمد، ما جدوى دوراننا والمعني بالأمر ما عاد يكلف نفسه مجرد النظر إلينا ندور؟ وحده رفيقهما الثالث والأصغر ما يزال يصر على مواصلة الحياة صعودا ونزولا، ربما ينتظر أن يكبر مثلهم، ثم يقرر، فعندنا القرار أصعب من العمل، اتخاذه لا يتم إلا باستشارة السماء، وربما يعمل مواساة لصاحب الساعة في تحمله للحياة الثقيلة، في ذلك اليوم قرر أن يمضي صباحه في محطة القطار، ركب واحدا منها مبكرا جدا، حتى قبل أن تصحو الأجواء، قرر النزول في واحدة من المحطات الشبه مهجورات، ووحيدا نزل كما صعد، في المحطة التي قررها للنزول الكل يصعد والمجنون مثله من ينزل في هذا الجو البارد، كان يرقب القطار يواصل سيره المتكاسل بحنان كبير، القاطرة ما عدت قادرة على الجر، تاريخ صنعها يشي بالهرم، لكل هيهات أن يدعها أصحابنا تستريح، أن تعيش ما تبقى من حياتها بعيدا عن حرارة القضبان الحديدة ولسعات الفرامل القوية، لتنعم بالتقاعد المستحق يجب عليها أن تتسب في هلاك المئات وربما الألاف...

 ارتمى متهالكا على مقعد خشبي تبدو عليها أثار العقود من السنين، صيفا وشتاء، خمّن مسرعا أنه من الحسنات الكبيرة لجالب التحديث للبلاد، طرق فكره بشكل خاطفا سؤال كبير، ماذا لو لم نعش الحماية؟ ماذا لو استمر الأخرون في الاعتقاد أننا أقوياء وتركونا لحالنا على حالنا؟ أطلق ضحكة خفيفة مليئة بالتهكم، أقوياء؟ ونترك لحالنا يا سلام؟ مسرعا لعن شيطان التاريخ الرجيم، وعاد إلى واقعه في المحطة الباردة، أجال بصره يمينا وشمالا وإلى الأعلى أما الأسفل فقرر أن لا ينظر فيه، ما يزال في الأجواء بعض الظلام، بالكاد تتسلل أولى خيوط الضوء لتجعل الأفق رمادي اللون، أشعره المكان بالألفة وهو الذي بالكاد كان يرمقه من نافدة القطار، حين أشعل سيجارته شعر بالدفن يتسرب إلى داخله، أجبر أصابعه والساعة على مغادرة دفن جيوب معطفه الثقيل، وحين شعر بلفحات البرد تتسلل عبر أنامله ناوب يمناه ويسراه على حمل السيجارة إلى فمه، الأفكار والأحاسيس كانت تتزاحم في قلبه وعقله، كلها تريد أن تخرج في نفس الوقت ودفعة واحدة، لم يكترث للأمر، فظل الجميع عالقا بداخله، ربما كان ينتظر مجيئ الشمس، واتضاح معالم المكان، والأهم صحو الناس وانطلاقهم في المكان...

يتبع

السبت، 20 أكتوبر 2012

نوستالجيا مساء الأحد


بقلم: سعيد بنرحمون 
حدث في مثل هذه الأمسية (أمسية يوم الأحد طبعا) في حياة العديد منا، أيام الطفولة وبعدها بقليل، أيام كنا تحت مسؤولية الآخرين في كل شيء، مساء يوم الأحد المشؤوم الذي يليه مباشرة صباح الاثنين الأشئم، من منا لا يتذكر تلك الأمسية العصيبة؟ من منا لم ينزل فيضان من الدموع الحارقة حينها، ولم يصدر الكثير من الصراخ؟ ولأسباب، حين نتذكرها اليوم، لا نشعر إلا بالحنين والسرور، كم كانت لحظات عصيبة علينا ساعتها، حين كانت أمك تتفن في "فركك" إعدادا لك ليوم الاثنين المقدس، هذا إذا ما حال حائل بين الأب والتكفل بالمهمة في الحمام العمومي، وهي حكاية أخرى لا تقل غرابة عن هذه، من منا لم تكن أمه تضعه بين أرجلها القويتين، بارك الله في المتبقي من صحتهن أجمعين طبعا، والواحد منا يصرخ مثل فرخ الدجاج الضعيف، تكاد روحك تخرج من توها، وهي لا تبالي بتوسلاتك المتتالية، والأم في حقيقة الأمر لم تكن سوى تغسل شعرك مما علق به أو أوحال ملاعب كرة القدم الترابية، وتحاول من تجعل منك إنسانا يشبه البقية،  لا لم يكن الأمر يقتصر على التنظيف فقط، لقد كان عذابا حقيقيا، وإلا ما علاقة تمشيط الشعر بتلك المشط القاسية بالأذنين أو الخدين؟ ألم تكن أمهاتنا يتجاوزن غسل الشعر إلى الأدنين والخدين تمشيطا وفركا، والواحد منا بين أرجلهن يعاني، وسطل الماء يكاد يلامس وجهه، ومفعول "دوب" ذلك "الشمبوان"  القوي يكاد يطفئ نور الأعين إحراقا، وضيق التنفس يكاد يزهق روحه، والبكاء الذي تحول إلى شبه شهيق يصك الآذان، تليه مباشرة صفعات قوية تسخن القفى، ونهر قوي أن "اصمت أيها الكلب المتسخ أتريد أن تظل هكذا" وكلمات أخرى أكيد أنها الآن تترد في آذان البعض منكم، بعد مسلسل عذاب غسل الشعر، تأتي مرحلة تغيير الملابس، وهي الأخرى لا تقل إيلاما لأطفال صغار يبالغون في إظهار الألم، حقيقة كان أم كذب، وأمهات يجدن فك رموز شفرة أبنائهم المخادعة، غالبا ما كانت فتحة "التِرِكُوَات" ضيقة أمام رؤوس عشوائية الشكل، ألم تكن أمهاتنا تولج رؤوسنا فيها بكل قسوة ولا مبالاة؟ حتى تكاد الآذان والأنوف تفقد مكانها من شدة الجدب؟ أكان العيب في ضيق فتحات "التِرِكُوَات" أم في شكل رؤوسنا أو في تموضع أذاننا وأنوفنا أم كان في الأمهات؟ الجواب عندكم.. تنتهي عملية الغسل والإلباس بعينين متورمتين وقفى ساخنة من فعل الصفعات ووابل من الشتائم، اللطيفة طبعا فتلك أمهاتنا على كل حال، لكنها تنتهي أيضا بشعر جميل ونظيف وملابس تناسب الاثنين المقدسة، وشبه خصام بين الأم والأب بسبب طفل يريد أن يظل عفنا، من حينها وأنها أكره يوم الاثنين، خصوصا وأنه كان يصادف استظهار لمحفوظات أو قرآن أو جدل للضرب أو نص بالفرسية أو درس الصرف والتحويل البغيض حينها...
(أبقى الله أمهاتنا بموفور الصحة وقدرنا على رد بعض من جميلهن علينا ورحم المتوفيات منهن وألهم أبنائهم الصبر)  

الأحد، 14 أكتوبر 2012

حتى لا نغتر

بقلم سعيد بنرحمون
فاز غيريتس رفقة المنتحب المغربي في مراكش نفسها بأربعة أهداف لصفر، أقمنا الدنيا ولم نقعدها، وقلنا هذا نبينا الكروي المخلص، وتشاء الصدف أن يكون أول لقاء للطاوسي فوزا بأربعة أهداف لصفر وفي مراكش أيضا، النتيجة منعشة حقا ولا يجب أن تتخفي غابة الفشل الرياضي الفضيع في هذه البلاد المسكينة، يجب أن نبني المؤسسة الرياضية في المغرب على أسس المسؤولية والمحاسبة والشفافية، وليس على الأنبياء أصحاب الخوارق، هؤلاء انتهوا مننذ زمن بعيد، اليوم يفوز الطاوسي فنقول فيه إيجابا ما لم يقله مالك في الخمر، لكن غذا قد ينهزم، لا يجب أن نحمله أكثر مما يحتمل، هو مجرد فرد وسط منظومة مصابة بالأزمة في كل أجهزتها، حظا موفقا للطاوسي والمنتخب، ونعم لمحاسبة المسؤولين عما مضى وما هو أتي

الخميس، 13 سبتمبر 2012

محاموا الإسلام يسيئون له


سعيد بنرحمون
أي صورة نقدم عن الإسلام عندما نواجه فيلما أرعنا وأتفه حتى من مجرد الرد عليه بالصواريخ والقنابل وإحراق السفارات، كيف يبرر الليبيون ذلك العمل الأخرق، أدفاعا عن الإسلام؟ دفاعا عن نبيه؟ نبيه أدمdت قدماه من طرف أهل الطائف يوما ما وما فعل ما فعله الليبيون، وضد من؟ ضد سفيرا أمريكا الذي من المفروض أن يحضى بكل الرعاية والحماية لأنه سفير قبل كل شيء، ولأنه في حماهم، متى كان المسلمون يقتلون السفراء، ثم أليس أمريكا من حمى بنغازي بالذات من صواريخ "كراد" التي أتى بها معمر القدافي المسلم ابن المسلمين ذات مساء فجعل ليلها نهارا لولى تدخل الأمريكان، بهذه الأفعال نعطي الذريعة لمروجي الإسلاموفوبيا وكارهي الإسلام والمسلمين، حقا الفيلم كان مسيئا ومقززا وقذرا، لكن التعامل معه بالعنف لن يزيد الآخرين إلا كراهية لنا، أليست ليبيا خارجة لتوهها من "ثورة" ضد نظام كان يمتهن قتل المعارضين والمخالفين له، سواء كانوا مسلمين أو كفار، كيف ينهون على فعل ويأتون بأفظع منه، أم إنهم عادوا بالزمن إلى قول الشاعر "ألا لا يجهلن أحد عليناــــــ فنجهل فوق جهل الجاهلينَ" الليبيون فاقوا بعمل هذا جهل الجاهليين، أبانوا على أن ما قاموا به لم يكن ثورة بقدر ما كان أخدا بالثأر لا أقل ولا أكثر، وربما يكون الآتي أفظع وأمر

الاثنين، 27 أغسطس 2012

ولادة الأحاسيس



كل الأحاسيس تولد صغيرة وتكبر مع الأيام، الحب أجمل الأحاسيس يولد صغيرا وقد يعيش ليكبر وقد يموت ليتلاشى، الخوف كذلك يولد صغير وقد يعيش ليكبر فينا ويتغول، وقد يقمع لينتهي خاصة في قلوب الشجعان، الحزن أحيانا يولد كبير إذا كان سببه الموت أو الفراق، لكنه يصغر مع الأيام ليتلاشي بفضل نعمة النسيان، وغيرها العديد من الأحاسيس التي تولد صغيرة وتكبر إلا الغيرة، تولد كبيرة، بل تولد بركان ثائرا، يحرق جوانب القلب الذي يثور داخله، القليل من الناس من يجيد تحويل الغيرة من بركان نار إلى بركان حب واهتمام واسترضاء للحبيب وأشياء أخرى تحسنها النساء، أقصد النساء الحقيقيات، لا النساء الباحثات عن الانتصار، فالانتصار على الرجل يعني أن المرأة لم تعد أنثى، وأحيانا يحسنها الرجال، أقصد الرجال الحقيقيون، لا الرجال الباحثون عن الانتصار، فانتصار الرجل على المرأة يحوله من حينها إلى وحش، لا علاقة له بالرجولة، ما رأيكم أن نعيش بعيدا عن المعارك، الحياة ليست معركة مع الآخرين، الحياة عندي معركة مع النفس أولا وأخيرا وأشياء أخرى يعرفها الباحثون عن السعادة، رجالا ونساء، لا الباحثون عن المعارك والانتصارات...

السبت، 25 أغسطس 2012

إلى متى


ملامح المشهد السياسي المغربي الحالي تنبأ بأن الوضع يكاد يعود لما قبل المسمى "الربيع العربي" وربما يكون الدخول السياسي المقبل عنوان لأشياء كثيرة بدأت تتضح معالمها من الآن، وحدها مناوشات حركة 20 فبراير من تبقي الوضع معلقا إلى حين، النبتة عادت إلى استوائها الأول بعد أن مرت العاصفة سريعا للأسف، والريح لم تكن بالقوة المطلوبة، واتضح أنها نخلة ضاربة بجذورها عميقا في الأرض، عاد العليق اللصيق يناطح سحاب البلد، المخضرمون  الداعون إلى المعاصرة والماسكون بالأصالة يطلقون النار في كل الاتجاهات، ليقولوا للآخرين أنهم هنا، وأن جميع فصول السنة لن تنال  من عزمهم على تطبيق مشروعهم علينا، شأنا أو أبينا، يُشتم مثقفونا، الرموز الحقيقية للبلد،  وتنبري أجهزة إعلامهم لتقول في رئيس الحكومة المنتخب ما لم يقله مالك في الخمر، تٌجهض مبادرات وزراء المصباح في مهدها، مثل ما حدث لدفاتر تحملات من ظن الخلفي أنه إعلام عمومي، فباء بالإثم الذي يوجد في بعض الظن، واتضح أنه إعلام رسمي، لا ينطق بيادقته إلا بما يوحي لهم، تسلط على الحكومة أيادي خفافيش الظلام وأيدي بعض "القابلات"  فتخرج القوانين  والمبادرات "حرامية عوراء" كما حدث مع مقترح الداودي بخصوص أداء طلبة  الطب والهندسة من أبناء الميسورين، وما أكثرهم في هذه البلد ... ألم يحن الوقت بعد ليقلب بن كيران الطاولة على من يعتقدون أنهم إستراتيجيو هذا البلد المسكين...

الجمعة، 24 أغسطس 2012

التزود حرارة


السبت، 11 أغسطس 2012

متى يفرج عن تاريخنا ولو فنيا

سعيد بنرحمون
استطاعت  الدراما المغربية في السنوات الأخيرة السيطرة على الشاشة العربية الصغيرة والكبيرة بأفلامها ومسلسلاتها ذات المسحة التاريخية المتميزة، متجاوزة نظيرتها المصرية والسورية، أعمال تنهل من المادة التاريخية الغزيرة في هذا القطر من الوطن العربي والمغاربي الكبير، بتركيزها  على  الجانب الاجتماعي من حياة تلك الشخصيات التاريخية، فتكون المادة التاريخية سلسلة مشوقة، تنفد إلى وجدان المشاهد العربي قبل قلبه، وبذلك استطاعت هذه الأفلام معادلة طرفي الكفة التي كانت مختلة من قبل، ما بين الحقيقة التاريخية الجافة والإكراه الدرامي المتسم بالخيالي غالبا، والفضل في كل ذلك يعود للمؤلف الفنان والسيناريست البارع والمخرج  المطلع، كل هؤلاء استطاعوا  أن يخرجوا من الحقيقة التاريخية المغربية دراما مشوقة ومفيدة ولا تبتعد كثيرا عن الحقيقة التاريخية، وما أكثرها في تاريخ المغرب خاصة وتاريخ الغرب الإسلامي على وجه العموم.
فقد استطاع مسلسل "زيب النفزاوية" مثلا والذي تبثه العديد من القنوات العربية، أن يشد أنظار المشاهدين العرب،  ويقتطع من أعمارهم ثلاثين يوما بالتمام والكمال، يتحدث المسلسل عن حياة تلك السيدة الكبيرة في التاريخ المنسي لهذه البلاد،  كزوجة لـ"يوسف بن تاشفين" المرابطي وصاحبة  أكبر الأثر في حياته، يبرز العمل الدرامي الشيق كيف كان  لها الدور الحاسم في الدفع بابن تاشفين إلى قول لا أبو بكر عمر.. تلك الآء التي جعلته منه ما هو عليه الآن في الذاكرة العلمية والشعبية إلى يوم الناس هذا...  وقد جسدت الدور بكل مهارة الفنانة المغربية "منى فتو" في مرحلة الشباب ثم ثريا جبران في مرحلة الشيخوخة والعديد من الفنانين العرب والمغاربيين، خاصة وأن المسلسل صور بتقنية رقمية عالية لا تقل أهمية عن الأفلام العالمية، نجح المخرج في إبراز الجانب الاجتماعي من حياة الدولة المرابطية ودور النساء فيها، وإيصال التاريخ  للجمهور الواسع مغربيا وعربيا، بالإضافة إلى الترويج السياحي للمغرب بإبراز تنوع فضائاته الطبيعية الخلابة، وموروته الحضاري الممتد في الزمان والمكان ، باعتبار أن جغرافيا الدولة المرابطية السياسية امتدت من جنوب موريتانية الحالية إلى الأندلس شمالا وجانب كبير من الجزائر الحالية شرقا،
وكان  للمسلسل الآخر "المهدي بن تومرت" الذي تبثه قناة ميدي 1 والعديد من القنوات العربية المكانة الرفيعة في ذروة شبكات البرامج في القنوات العربية،  جراء التشويق الكبير الذي خلقه  لدى المواطن العربي، ويحكي المسلسل حياة واحد من عظام هذه الأرض، القائد الأمازيغي ــ العربي الكبير المهدي بن تومرت، الذي جسده بكل براعة الفنان القدير محمد البسطاوي، ليمحي به الذكرى السيئة التي تركها لدى الجماهير المغربية جراء دوره التافه في المسلسل التجاري "ياك حنا جيران"  وقد صور الفيلم في المغرب وفي العديد من الدول العربية التي جسدت مراحل من حياة البطل التاريخي "المهدي بن تومرت" ومن بينها الجزائر وتونس وليبيا ومصر والعراق كما صور جزء منه في إسبانيا...وقد استطاع المسلسل أن يبرز قوة الدولة المغربية في العصر الوسيط وإسهاماتها الكبرى في الثقافة العربية في هذا الجانب من العالم القديم، ويذكر أن الدولة الموحدية استطاعت أن تمد نفوذها على كامل الشمال الإفريقي والأندلس خلال قرون من تاريخ المغرب.
للأسف هذا الخبر محض خيال حزين جدا، كلها أحلام قد تتحقق يوما ما وقد لا تتحقق أبدا، مع أن الأمر ليس صعبا بالمرة، تجسيد مثل هذه الشخصيات وهذه الأحداث لن يخلق أي مشكل سياسية لا داخليا ولا خارجيا، وتكلفتها وإن كانت كبيرة إلا أنها قادرة على تحقيق أرباح كبيرة أيضا، ولكنها لا تعمى الأبصار بل تعمى القلوب التي في الصدور، ثم هناك شخصيات أخرى لو صورت مسلسلات تركز على الجانب الاجتماعي من حياتها ولا تقدمها تاريخية جافة، لاستطاعت أن تعيد لهذا الوطن جانب من إشراقه التاريخي الكبير، هناك العديد من هذه الشخصيات مثل بن خلدون وصديقه لسان الدين ابن الخطيب، أحمد المنصور السعدي ومعركة وادي المخازن وغيرها فقط لو ينظر مخرجونا في تاريخنا لوجدوا العجب...

الخميس، 9 أغسطس 2012

محمود درويش

بقلم: سعيد بنرحمون
في مثل هذا اليوم من أحد أيام سنة 2008 غادرنا إلى دار البقاء شاعرنا الكبير، الشامخ المولود بلا زفة ولا قابلة، الخجل من مخاطبة والدته ووالده وجدته الشجرة، العربي صاحب بطاقة التعريف الخمسون ألفا، والد الأطفال الثمانية، والتاسع الآتي بعد صيف، رحل عنا الذي علمه جده شموخ النفس قبل قراءة الكتب، فما تصاغر يوما أمام أعتاب الجبابرة، فارقنا الذي واجه الحديد والفولاد بلحمه والحجرُ، فسمح للعابرين بأخذ حصتهم من دمه والانصراف، أما هو فقد بقي يحرص ورد الشهداء، مات الذي هو ليس له، صاحب البحر والملح التي هي على جردان الحائط من أثر الدموع، الذي وإن أخطأ ذكرى اسمه فهو مالكه، المستعد للموت كما اشتهى، غادرنا المتميم بالشتاء المحن لخبز أمه، أخيرا سينام درويش النومة الأخيرة، مات الذي كان يخجل من دمع أمه إذا وافته المنية، مات مصابا بخلل في الشرايين وضغط دم  مرتفع، مات الذي لا تستطيع الكلمات مهما كانت مبدعة لا توفيه حقه وداعا درويش...

الخميس، 2 أغسطس 2012

في عين الدياب

بقلم: سعيد بنرحمون
المقاهي الشعبية تنافس بعضها في تقديم الفرجة الرخيصة، أضواء زاهية ومكبرات صوت تؤدي الأذان أكثر مما تطربها، شباب وشابات، نساء ورجال، بل وأطفال ورضع صحبة آبائهم وأمهاتهم، الكل يشد الرحال صوب الضجيج المسمى "موسيقى شعبية" والتي يسميها البعض تفكها "موسيقى وحشية" وليست شعبية، فأربعة آلات "طربية" عبارة عن "بنديران ودربوكة وطعريجة" وكمال نزل من
 مكانه على الكتف قرب الأذن، ليستقر فوق الركبة في وضع "حقير" وآلة "يورك" تخرج كل الأصوات، وأحيانا آلة "وتار" بداية الصنع، و"مطرب" يقول أشياء كيفما اتفق، ويحي الحشود بحسب سكناهم أو مساقط رؤوسهم شبه الفارغة، فيردون بهستيرية، تلك المهزلة كانت كافية لتشعل اللهيب في الحشود ، فترى الناس سكارى وما هم بسكارى، يتمايلون في حركات أشبه ما تكون بحركات من به مس أو يقف فوق الجمر، شابات بقوامات شبه موحد، أرداف سمينة شدت حولها السراويل والفساتين الصيفية وحتى الجلابيب، تتمايل في حركات أبسط ما يقال عنها إن رمضان ليس وقتها أبدا،على أن الأكثر إثارة في كل هذه الملحمة الرديئة هو تواجد الأطفال صغيري السن، الكل يرقص حتى الرضع ترى آبائهم يحركون أجسادهم الغضة لترقص رغما عنها، الساعة جاوزت الواحدة صباحا والطفل يريد أن ينام لكن والده يريده أن يرقص، يا لها من مهزلة...

الجمعة، 20 يوليو 2012

الثنائيات


بقلم: سعيد بنرحمون

فقط لو نتخلص من منطق الثنائيات القاتل لكل حوار وتقدم وتفاهم، حلال/حرام، صدق/كذب، أبيض/أسود، محق/مخطئ، ملائكة/شياطين، وهلما ثنائيات لا تعطينا سوى إقصاءً لبعضنا البعض، تجهيلا يقابله تكفير، حداثة تقابلها رجعية، محقون يحاسبون مخطئين، ماذا لو بحثنا فينا وبين مكوناتنا عن الألوان التي بين الأبيض والأسود، عن المساحات بين الحلال والحرام، عن الفسح بين الحداثة والتقليد، عن التعايش التي قد يحدث بين الملائكة والشياطين، ملائكة الأرض وشياطينها نقصد، ماذا لو اعتبرنا أن الغزيوي لم يخطئ حين أشار إلى مبدأ الحرية الأصيل، حتى في الأديان، بغض النظر عن التفاصيل، وأن النهاري لم لم يخطئ أيضا حين أشار إلى ضرورة احترام الدين، وبغض النظر عن التفاصيل أيضا، ماذا جربنا ما سبق أن جربه غيرنا، وأسموه بالمنزلة بين المنزلتين... لسنا في حاجة إلى اعتذار أي كان، أظن أننا في حاجة إلى البحث فينا عن المتاح أمامنا من مساحات تعايش، لنوسعها قد الإمكان، دون إفراط أو تفريط، لا نريد أن نعيش الماضي فينا بصيغ أخرى، ولا نريد أيضا أن نقفز فوق هويتنا وديننا.. هذا مجرد رأي لا نريد.

الثلاثاء، 19 يونيو 2012

بعد الموت



بقلم سعيد بنرحمون: 
 بعد الموت: صبح باسم لن تتمكن من رأيته، شمس دافئة لن تلامسها ولن تلامسك، هواء لن تتمكن من تمييزه، أحار هو أم بارد؟ أصوات مختلفة لن تشاركها الحديث ولن تشاركك، مياه رقرارة، طعمها سيفارقك، سماء صافية أو ملبدة لن تتطلع لها ولن تظللك، أحبة لطالما أكدوا لك الوفاء وصعوبة العيش بدونك، لكنهم يحيون ولو إلى حين بعدك، زهر ونبات وشجر يقيم بعيدا عنك، لن تشمها ولن تسمعك... الموت حقيقة الحقائق، معركته أم المعارك والفوز عليه هو الانتصار الحقيقي، رحم الأموات وخفف عن الأحياء تلقي حقيقته

الثلاثاء، 12 يونيو 2012

التلاميذ يستعدون

بقلم: سعيد بنرحمون
تحلقوا جماعات وأزواجا حول طاولات المقاهي، لا تخطئهم العين التي خبرت هذه المرحلة، سجائر رخيصة وأخرى باهظة الثمن، أغلبهم يدخن، مشروبات مختلفة، منها البارد والساخن، والذي برد بعد سخونة، والذي كاد يسخن بعد برودة،  حواسيب محمولة، وأوراق مستنسخة (بوليكوبات بلغتهم) وأقلام بألوان بارزة (فلوريسون بلغتهم دائما) هواتف نقالة تفوق أجور من لا تعيرهم الحكومات المتعاقبة شأنا مهما كبر أو صغر، ضحكاتهم ترتفع أحيانا وتتحول أحيانا أخرى إلى همسات في الأذان، يوحدهم التوجس البادي على الأعين، يضحكون كثيرا لكن لحظات العودة إلى الأوراق تضفي على السحنات الشابة هالة من خوف دفين وتوجس مقيم، غالبا ما يغالبها الشبان والشابات بالضحكات المرتفعة،  تسريحاتهم غاية في الغرابة لمن لا يشترك معهم الاهتمامات أو لمن يدمن تقييم الأشخاص من ظاهريا، وكذلك الثياب، بين الفضفاض واللاصق وبين ذلك، معظمهم يرتدي نظارات طبية، وأخرى للزينة وأشياء أخرى، تحت الأعين يشي بأن لياليهم كانت ليلاء، كتب تمارين، علمية في الأغلب، سمينة المبنى عصية المعنى، أنقف فيها أغلبهم جل وقته ممحصا، ومدققا، ومسترخيا أحيانا وسارحا في ملكوت الله أحيانا أخرى، هم باختصار مجحف تلاميذ مستويات البكلوريا المقبلون على الامتحانات.

بعضهم اختار طريقا أخرى للاستعداد لامتحانات الوشيكة، ففي الوقت الذي بات فيه أغلبهم يدمن الكتب والأوراق وشاشات الحواسيب النقالة، كان بعضهم يبحث عن وسائل أخرى لاجتياز الامتحانات، هي مختلف وسائل الغش، بالقرب من طاولتي  جلست بعض الفتيات  رفقة بعض الشبان، أخرجن مناديل "كلينيكس" وأخذن حشوها بالمعادلات والقواعد والتعاريف وما شاكلها، يحرصن على تزويقها بمختلف الألوان، يطرحون  كل الاحتمالات للتداول، بما فيها احتمالات الغش وانفضاح أمرهم والخيارات البديلة أمامهم، يبيحون لأنفسهم كلما من شأنه أن يحقق ما يريدون، تركز حديثهم على التضيقات المزمع العمل بها هذه السنة ضد تقنيات الغش من الجيل الجديدة، أي كل ما له علاقة الهواتف  النقالة و"الكيت" والرسائل القصيرة وغيرها،  فلا مناص لهم من العودة إلى الوسائل القديمة، أي الأوراق الصغيرة السهلة الاستعمال،  تبريراتهم واهية غالبا، لكن دفاعهم عنها قوي قد يصل إلى الشتم في حق من يحاول أن يبرز عكس ما يتوهمون، دخلنا في نقاش، بدأ بسيطا، مع أحدهم سرعان ما تحول إلى ما يشبه الشتم المبطن، حقا هي "فلسفتهم" في الحياة ويسقطونها على كل شيء، الغش بالنسبة لهم يعم كل ميادين حياتهم فلماذا نريد أن نوقفه عندهم، أو لماذا نريد أن نحرمهم نعمه الكثيرة، فالنجاح بالنسبة لأغلبهم ليس إلا ترضية لخاطر الوالد أو الوالدة، والاجتهاد في الدراسة لا يخول دائما الحصول على عمل مشرف، ذاك له طرق أخرى، تختصر عندهم في الوساطة غالبا والرشاوى أحيانا، ولما لا مغادرة البلد بأكمله، حل يفضله كلهم، الغشاش والنزيه،  كأن البلد ينقصه الهواء النقي، أو يضيق بهم.                                           

السبت، 9 يونيو 2012

النساء


سعيد بنرحمون

النساء:ملح حياتنا اللذيذ ودمعها المحرق الدافق، فرحنا الطفولي المنهمر وحزننا البالغ المنسكب، قوتنا الهشة وضعفنا الصلب، لا شيء في الدنيا يعادل دمعة حارقة من مقلة أنثى حقيقية، هي قطرات تتجمع في المقل لتصير جداول صغيرة، تحفر في الجدود الناعمة جراحا من المحال أن تندمل، ملوحتها تفوق ملوحة المحيطات، وفعلها بلسم يطفئ لهيب القلوب المحترقة، مجرم حقيقي من يتلدد بإراقة دمع النساء، واهم حقيقي من يظن أن الانتصار عل النساء من فعل الأسوياء، من يهزم النساء، من يخدع النساء، من يداوي النساء بالنساء، مجرد جبان في عالم الأقوياء، ومن يُفرح النساء، من يديم الابتسامة الحقيقية على ثغور النساء، من يراقص قلوبهن فرحا ...، ذاك من الأسوياء، ذاك من الأقوياء، داك رجل ولدته سيدة، ذاك يستحق قلوب كل النساء...

الثلاثاء، 22 مايو 2012

ألم كبير


بقلم: سعيد بنرحمون
ألم كبير أن تتحول مأساة طفل صغير إلى مادة سخرية على جدران الهزل السميج (القبيح)
ألم كبير أن يرقي المحامي إلى منصب وزير ويرسم الموكل في منصب مجرم سجين.
ألم كبير أن ترى الحرمان يتجول بين الماركات العالمية في المتاجر الكبرى.
ألم كبير أن تقف في انتظار حافلة الصباح ساعة وساعتين.
ألم كبير أن يتم تكديسك فيها كالسردين، وعندما تفلح في الظفر بمقعد حقير تضطر إلى تجاهل نظرات سيدة مسنة، في حاجة ماسة إليه.
ألم كبير أن ترى السفاهة والسخافة ترتقى المناصب والرشد والنباهة تتدحرج أسفل سافلين.
ألم كبير أن ترى بين الشباب، قوة التغيير، من يدمن قلب المفاهيم وإقناع النفس بحقير الممارسات.
ألم كبير أن تشعر بالغربة في وطن أجدادك وبالرغبة في هجره إلى بلاد الآخرين.
ألم كبير أن ترى فحش العيش يتفاخر بين أحزمة البأس السحيق.
ألم كبير أن ترى السلفي يمتهن سجن العصافير.
ألم كبير أن يفترش طفل رصيف الطريق أمام أنظار المارة في شهور البرد ولا من يحرك ساكنا.
ألم كبير أن تبيت على حلم جميل وتستيقظ على واقع مرير.
ألم كبير أن تفقد البوصلة في محيط الحياة الرهيب.
ألم كبير أن تفقد الثقة بنفسك وسط من يعشق رأيتك تنتقل من تقل فشل إلى فشل أثقل.
ألم كبير أن يرميك الأعداء شكررا حتى تتكسر نبالهم على النبال.
ألم كبير أن تجد بين أوراق دفاترك وردة يبست في انتظار أنامل الحبيب. 
ألم كبير أن تفقد غاليا، له عليك دين ولا تزال تكافح الحياة لتعيد له بعضا من تضحياته تجاهك.
ألم كبير أن تفقد شهية الحياة وأنت في مقتبلها.
ألم كبير يسجن الحق ويعيت الباطل حريةً.
ألم كبير أن تمارس النفاق باسم دبلوماسية المجتمع البديء.
ألم كبير أن ترى الباطل بطلا وترى الحق البين جبان صغير. 
ألم كبير أن تعيش نكرة وتموت صفرا تافها على الشمال أو على اليمين.
ألم كبير أن تموت كالأشجار وقوفا ويعتقد الآخرون أنك تتسمر مكانك من العجز المبين.

الأربعاء، 9 مايو 2012

عبثا نحاول

عبثا نحاول التشبت بخيوط الحياة، عبثا نقنع أنفسنا بأن السقطات القوية تولد الوقفات الأقوى، عبثا نقول إن الضربات التي لا تقتلنا تقوينا، لا يا سيدي هي إن لم تقتلنا فهي كفيلة بأن تصيبنا بالإنهاك الشديد، ويا ليثها تقتلنا فنريح ونستريح، هل يكون قدرنا أن نعيش الضربات تلو الضربات؟ عبثا نرتدي أقنعة النفاق، فلا هي تليق بنا ولا نحن نمثل الدور كما يجب، يا رب متى يأتي دورنا في الحياة؟ متى نرى وجهها الجميل؟ الذي ما عرفناه بعد، هل كان خطأنا أن رضينا بالقليل؟ هل يحق علينا قول القائل إن من يرضى بالقليل يفقد الكثير؟ متى ترتسم البسمة على أوجهها فلا نخاف بعدها من العبوس المقيم؟ متى ترسي سفننا الهرمة مرساتها على بر السكينة الهادئ، فأمواج الغذر تكاد تغرقها في بحار الخيبات المتثالية، احترفنا السقوط فكدنا ننسى الوقوف، 

الجمعة، 4 مايو 2012

جحوش الله في برسميه


بقلم: سعيد بنرحمون
كثر الفاهمون والمتفاهمون والمستفهمون، فاختار العارفون بعلم أن يكونوا "جحوش الله في برسيمه" يأكلون وينامون، يلهون ويمرحون، يسعدون ويحزنون، يعيشون ويتعايشون لكنهم بكل تأكيد لا يتفلسفون، لا يجيبون، لا يفتون أو يفتنون، يعيشهم على الهامش باختيار الواثقين وصوفية الواصلين، تراهم من المجالس من الخرس الصامتين، كلامهم من الذهب الخالص الدفين، لكنه غائر مكين، ابحث عنهم تسعد بصحبتهم أبد السنين، واحرص على أن لا تكون في صحبتهم  من المريدين، سائل وتسائل، ناقش وتفاعل، قدم الشك لتحصد اليقين، لا تؤله المخلوقين، لا تبني أصناما لتكون لها من الساجدين، لا تحقر نفسك في مجالس هؤلاء الواصلين، ولا تستكبر مهما بلغت من العلم، فالتواضع في عرف هؤلاء أعلى درجات اليقين.

في عرف العارفين


بقلم: سعيد بنرحمون
كثر الفاهمون والمتفاهمون والمستفهمون، فاختار العارفون بعلم أن يكونوا "جحوش الله في برسيمه" يأكلون وينامون، يلهون ويمرحون، يسعدون ويحزنون، يعيشون ويتعايشون لكنهم بكل تأكيد لا يتفلسفون، لا يجيبون، لا يفتون أو يفتنون، يعيشهم على الهامش باختيار الواثقين وصوفية الواصلين، تراهم من المجالس من الخرس الصامتين، كلامهم من الذهب الخالص الدفين، لكنه غائر مكين، ابحث عنهم تسعد بصحبتهم أبد السنين، واحرص على أن لا تكون في صحبتهم  من المريدين، سائل وتسائل، ناقش وتفاعل، قدم الشك لتحصد اليقين، لا تؤله المخلوقين، لا تبني أصناما لتكون لها من الساجدين، لا تحقر نفسك في مجالس هؤلاء الواصلين، ولا تستكبر مهما بلغت من العلم، فالتواضع في عرف هؤلاء أعلى درجات اليقين.

السبت، 21 أبريل 2012

دفاتر التحملات..الشجرة التي تخفي الغابة

في زمن العجب، المسؤول المعين يواجه الوزير المنتخب بكل شراسة، الموظف الإداري المعين يواجه  الوزير المنتخب ديمقراطيا، مصطفى الخلفي وزير الإعلام الناطق الرسمي لاسم الحكومة يتعرض لقصف مستمر ومنظم  من مسؤولي "دوزيم" المعينين تباعا ثم من رئيس قطب الإعلام العمومي، ضدا على منطق وقانون الأشياء، جميع هؤلاء المسؤولين يتضرعون بمبررات أهوى من بيت العنكبوت من قبيل  المهنية والإمكانيات المالية والهوية، والمشكل أعمق وأعقد من كل ذلك، فالإمكانيات يمكن إيجادها وهوية المغاربة يضمنها الدستور، لكن  الحقيقة هي أننا لا نشبه بعضنا في هذا البلد المسكين، وهناك من يفرض علينا منطق الوصاية، الهوية التي نفهما ونعيشها يوميا لا علاقة لها بالهوية التي يدافع عنها السادة المدراء، هناك هوية الأغلبية وهناك أغلبية أقلية لا علاقة لها بنا، والمشكل هو أن هذه الأقلية تريد أن تفرض على الأغلبية رؤيتها وخياراتها للمجتمع وهويتها، كان النقاش سيكون مفيدا وباعتا على مزيد من الديمقراطية لو أنه كان من سياسيين متمايزين على مستوى الخيارات المجتمعية لكن المشكل هو أن السياسيين يتخفون وراء تقيين لتمرير خياراتهم لنا، والنتيجة  هي أننا نزداد يقينا يوما بعض يوم أن تصويتنا في الانتخابات لا يصنع أغلبية وأقلية ولا يساهم في رسم خيارات وهوية المجتمع، تلك الخيارات الكبرى للمجتمع محسوما فيها سلفا صعد إلى السلطة يميني  أو يساري أو من لا لون له، فهي  تتخذ رغما عن منطق الشعب، نصيحتي للخلفي أن يستقيل إذا لم يستطع حتى أن يمرر دفتر تحملات القنوات التي من المفروض أنها عمومية، تنفد ما ترسمه لها الحكومة المنتخبة، أرجو أن لا يقبل السيد الخلفي أن يكون وزيرا صوريا مهمته عقد اللقاء الصحفي الذي يعقب المجلس الحكومي وتوزيع البطائق على الصحافيين وأشياء أتفه..

الأربعاء، 11 أبريل 2012

المغرب أتعس بلد في العالم

بقلم: سعيد بنرحمون
فضح تقرير الأمم المتحدة لقياس نسبة السعادة في العالم الذي صنف المغرب في الرتبة 115 عالميا عن فشل كل سنوات سياسات "قول العام زين" وكل ذلك "التفرنيس" المزيف أو اللحظي في أحسن الأحوال، الذي يبدوا من خلال كل مهرجانات البلاد، من مهرجان الطرب "الوحشي" في العديد من قرى المملكة، المسماة مدنا، إلى مهرجان الموسيقى الروحية ومهرجان "موازين"  وأسبوع "سراق الزيت" وغيرها من المناسبات الاحتفالية المختلفة حتى صار لكل مدينة وقرية ومدشر وحيوان ونبات وجماد مهرجاناتها الخاصة، كما أبان هذه الترتيب الفاضح عن فشل سياسة "غرّق الظبرة في ظهر المتعوس" من خلال كل سهرات نهاية الأسبوع في القنوات العمومية.
ماذا كان يعتقد مسؤولونا حتى يتفاجؤوا بهذا التصنيف الكارثي والحقيقي عل كل حال، هل اعتقدوا أن الكذبة المضحكة المبكية التي أطلقتها السيدة "فتحية بنيس" المديرة السابقة للمكتب الوطني للسياحة ستنطلي على معدي التقرير، وهل انطلت على المغاربة حتى تنطلي على غيرهم؟ المغرب أجمل بلد في العالم!! وهل كان على الباحثين من معهد الأرض التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية المكلف بإعداد التقرير، أن يفتتنوا بقفشات السيد بن كيران رئيس حكومتنا، السعيد جدا بمكالمات ملك البلاد له؟ أم كان عليهم أن يقيسوا سعادتنا بالابتسامة الدائمة للسيدة ياسمينة بادوا وزيرة الصحة السابقة التي كادت "تموت بالضحك" من معانات سكان إحدى مداشر الزمن المغربي الغابر مع حشرة غريبة الاسم تعود ربما للعصر الوسيط، ربما كان الأجدر بهم أن يتابعوا برنامج "كوميديا" ليروا السعادة المغربية الحقيقة والطافحة على محيى الحضور وخاصة على تغر "رشيد الإدريسي" وهو "يتعصر" ضحكا، واضح جدا أنه غير حقيقي، وحتى عندما أتينا لنرفه على الناس قليلا قتلنا منهم 11 بريئا جاؤوا فقط ليشاهدوا نجمهم المفضل "عبد العزيز الستاتي" في إحدى دورات موازينهم، ولا أحد تمت محاسبته على تلك الجريمة المكتملة الأركان.
بالله عليكم كيف تتسلل السعادة إلى  قلب مواطن أنذرته مصالح محاربة السكن الغير اللائق بهدم كوخه، بعد أن دفع في بنائه كل ما يملك ما لا يملك، أقامه عندما كان الشباب الفبرايري يخيف الدولة، وعندما كان القايد والمقدم وما في شاكلتهما يستغلون ضعف الدولة ليغمضوا الأعين، وهو اليوم أول ضحايا استعادة الدولة لهيبتها، كيف يكون شعور هذا المواطن  وهو يرى من فاوضه بالأمس على ثمن رشوة إغماض العين على البناء يعود اليوم ويهدم بيته.
وكعادتها انبرت العديد من وسائل إعلامنا، أو إعدامنا لا فرق بين الاثنين في حالتنا، لتهاجم معدي التقرير وتتهمهم بالترف المعرفي والغياب الكلي للموضوعية والاقتصار على النصف الفارغة من الكأس، مفسحة المجال أمام المندوبية السامية للتخطيط لتتمكن من إعداد مرافعاتها العنترية ضد معدي التقرير، كما فعلت بالأمس القريب مع تقرير التنمية البشرية.
يعتمد معدو  التقرير على معايير علمية واضحة في تصنيف الدول على سلم السعادة الأممي، ومن بين هذه المعايير هناك الحرية السياسية التي ينعم الناس داخل الدولة، وقوة العلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية بين مكوناتها، ونسبة الفساد ومستوى الصحة العقلية والجسدية لدى المواطنين كما يعتمدون عل استقراء مدى الاستقرار الوظيفي والأسري لدى الناس وغيرها من معايير، هي معايير علمية دقيقة وموضوعية ولا مجال لدحضها، لكن خبراء مندوبية الحليمي  قادرون على إيجاد ثغرات التقرير الأممي كما فعل عادل إمام في فيلم "طيور الظلام".
فالنسبة للحريات السياسية الجميع يعلم إلى أين وصلت بنا الحرية السياسية في بلد الاستثناء العربي، فقد قادنا حراكنا المزيف إلى إخراج وثيقة دستورية تشبه قصائد المعلقات السبع، يحتاج دارسوها والمحللون والخصوم السياسيون إلى أبو العتاهية ليفك لهم رموزها ويأولها التأويل الديمقراطي السليم، هذا إذا كان يعرف مبادئ الديمقراطية أصلا، وفي عز الربيع العربي يقبع صحافي في السجن ولم تفلح كل تلك المناشدات الداخلية الخارجية في إطلاق سراحه، أما عن قوة العلاقات الأسرية في مجتمعنا فاسألوا "نسيمة الحر" تخبركم اليقين، كيف تفيض أعين أبناء العائلة الواحدة، وأحيانا الأسرة الواحدة، دمعا من ظلم ذوي القربى، الذي قاله عن الشاعر أنه أشد مرارة من وقع الحسام المهند، وعن مستوى الفساد فمن بنيويته أن باتت لوائحه تتطلب سنواتٍ لإعدادها، كما قال نبيل بن عبد الله وزير قطاع من أقوى قطاعات الفساد في البلاد، وعن قوة العلاقات الأسرية فيسأل فقيه الزمان الفذ، فمن فرط متانة تلك العلاقات أن أفتى عبد الباري الزمزي بلا قابليتها للزوال في المغرب، حتى مع الموت الذي ينهي كل العلاقات مهما نبُلت، فقيهما الذي لم تلد ولادة ولا جاد للزمان بمثله كثيرا، مجدد دين الأمة، يرى أن من حق الرجل مضاجعة زوجته حتى بعد أن يكون الموت قد أنهى ذلك الرباط المتين، وفيما يخص مستوى الصحة العقلية فتلك الطامة الكبرى، فما ابتليت أمة بمعضلة أشد من أن تصاب في شبابها بكل تلك الآفات من المخدرات، بلادنا بحمد الله ماركة مسجلة في الحشيش بشهادة الأصدقاء قبل الأعداء، لكن ما يروج منه عند أهله رديء ومغشوش ويصيب بالجنون وجوبا، حتى انطبق علينا المثل المغربي الخالد "جزار ومعشي باللفت" ناهيك عن حبوب الهلوسة، المنتشرة بين الشباب كما ينتشر الذباب في فصل الصيف، بالإضافة إلى المحذرات القوية، أما الاستقرار الوظيفي فعلى الرغم من أن لأثريائنا مكانة بين الكبار في تصانيف "الفوربس"  فالجميع يعرف أن لا أمان في القطاع الخاص وظيفيا، تعتقد الباطرونا أنها تمن على أبناء الشعب بتلك الوظائف الأقرب إلى رقوق عبودية منها إلى وظائف تحمي أدمية البشر.
أليس هذه حالنا يا ناس بكل أسف، أم أن التقارير الأممية لا يحلوا لها سوى تصنيفنا عالميا بعد المرتبة المائة بعشرة أو عشرين نقطة، فمنذ عقود من يغادر بلدنا 'أجمل بلد في الدنيا" المرتبة 126 في سلم التنمية البشرية واليوم يحتل المرتبة 115 في سلم السعادة العالمي، وغذا لا أحد يعلم في أي تقرير نصنف في المرتبة ما قبل الأخيرة أو الأخيرة..