الاثنين، 23 مايو 2011

قراءة في كتاب "مونتسكيو تأملات في تاريخ الرومان أسباب النهوض والانحطاط" لعبد الله العروي"


بقلم: سعيد بنرحمون


صدر لعبد الله العروي، المفكر المغربي الكبير، كتاب جديد تحت عنوان "مونتسكيو تأملات في تاريخ الرومان أسباب النهوض والانحطاط"، عن دار النشر "المركز الثقافي العربي" بالدار البيضاء، من 267 صفحة من القطع المتوسط، نقله العروي إلى العربية عن النص الأصلي باللغة الفرنسية، والصادر سنة 1748 للمفكر الفرنسي الكبير "شارل لوي دي سكوندا" المعروف باسم "مونتسكيو" نسبة إلى حصن في الجنوب الشرقي الفرنسي، ورثه مونتسكيو عن عمله كما يقول عبد الله العروي في تقديم الكتاب.
بهذا الكتاب يتعزز المشروع الثقافي لعبد الله العروي قوة في المشهد الثقافي المغربي والعربي كما وكيفا، ذلك المشروع الذي ظهرت ملامحه الكبيرة قبل حوالي أربعين سنة عندما أصدر العروي كتابه "الإيديولوجيا العربية المعاصرة"، قوة تستمد من تنوع المشارب الفكرية للمؤلف، ومن تعدد أشكال الكتابة عنده من مقالة فكرية وكتابة تاريخية وشهادة ومذكرات، إلى جانب الإبداع الأدبي المتعدد الأجناس، من رواية وسيرة ذاتية وفلسفية, يأتي هذا الكتاب، في اعتقادنا، في إطار المحاولات الجادة التي عكف العروي على التنبيه لها مرارا وتكرارا، والمتمثلة في المكانة المركزية التي يجب أن نوليها للتاريخ في حياتنا، لأن العرب بالنسبة لمفكرنا الكبير، ما تزال تراوح مكانها في استيعاب فكرة التاريخ، كما يؤكد على ذلك العروي نفسه في كتابه الآخر "العرب والفكر التاريخي".
تأملات في تاريخ الرومان، على عكس ما قد يبادر إلى أدهان الكثيرين ممن لم يتصفحوا الكتاب بعد، ليس موجها إلى فئة من المختصين في التاريخ الروماني القديم فحسب، بل هو كتاب فكري بحمولات تاريخية، تجيب عن أسئلة حديثة، تشكل نسبة كبيرة من الانشغال اليومي للفاعل السياسي والثقافي العربي اليوم، والكتاب وإن كان يعالج تاريخا طويلا مغرقا في القدم، إلا أنه تشريح عميق وهادئ للواقع العربي المعاصر عبر تقنية الكتابة بالمثال والرمز، به على الأقل ثلاث أزمة متداخلة هي: زمن الرومان وزمن مونتسكيو وزمن عبد الله العروي، كما هو ظاهر في التعليقات والهوامش، وكما هو مضمر في كل الكتاب وفي ظرفية إخراجه في هذا الوقت بالذات.
الذي لا يشك فيه أي متتبع لمسار هذا "العلم" الفكري العربي هو أن لهذا الكتاب علاقة ما بالإصدارين الأخيرين، ونعني "السنة والإصلاح" و"من ديوان السياسة"، الأول حوار داخلي يروم من خلاله العروي ترتيب أفكاره عن مسألة العقيدة والتدين وهو في عقده السابع، وإن كان الكتاب ألبس لبوس حوار مع سيدة أجنبية ذات تفكير علمي صرف (باعتبارها مختصة في البيولوجيا البحرية وتقضي نصف السنة في البحر على ظهر السفينة المختبر)، والثاني كان فيه العروي مباشرا إلى أبعد الحدود عندما انتقى من ديوان السياسة بعض الإشكاليات الكبرى المؤسسة للحقل السياسي العربي وفصل فيها القول، شارحا ومدققا ومقترحا لحلول كثيرة، ولعل هذا المشترك يظهر في كون العروي يشكل بكل صدق ذلك المثقف العضوي المشتغل بالتاريخ والمهموم بقضايا فضائه سواء المحلي (المغرب) أو الإقليمي (الوطن العربي).
شكلت مؤلفات عبد الله العروي متنا فكريا صعب التفكيك، يتطلب قراءات متعددة لاستيعاب عمق الأفكار المطروحة وراهنيتها، وكتاب "تأملات في التاريخ الروماني" لا يخرج عن هذه القاعدة، فمن القراءة الأولى للكتاب نجد أن "العروي"، ومن ورائه "مونتسكيو" يعطينا تاريخا انتقائيا للفترة الرومانية، من التأسيس إلى تواري نجم تلك الإمبراطورية التي نعتت يوما بأنها "الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس" مرورا باللحظات الفارقة في مشوار التشكل والقوة والتمدد إلى كل بقاع العالم المعروف أنداك، لكن القراءة الثانية والتي تليها تقول أننا أمام كتاب انتقاه العروي بكل عناية ليقدمه للقارئ العربي، وله في ذلك حكمة بليغة إن لم نقل عدة حكم دقيقة، فـ"العروي" عندما كان يوجه تلامذته من المؤرخين إلى الابتعاد عن تناول تاريخ المغرب بالكيفية التقليدية، منهجيا وزمانيا، لم تكن دعوة ترف وحسب، بل كانت توجيه عارف لما في منهج المقارنة مع الغير من خير علمي كثير،وهو اليوم يبرهن لهم عن ذلك عمليا، من كتاب يعنى بالتدقيق في المنابع الأولى للفكر السياسي والدستوري عند رواده الأوائل، يقول العروي عن المترجم له في الصفحة السابعة"كان مونتسكيو المعين الذي ارتوى من مياهه فقهاء القانون، مؤسسو علم الاجتماع، التاريخ المقارن ودعاة الليبرالية السياسية"، وهنا نجد أنفسنا في صلب النقاش الدائر حاليا في كل الوطن العربي، نقاش السياسة والدستور والدولة والحكم، أتراها من الصدف الغريبة؟ أم هي فراسة عالم مسكون بقضايا أمته، تنبه، بمواظبته على الانشغال بما يؤلمها، أن الوقت حان لينتقي لها كتاب مليء بالاستنتاجات الصالحة لكل العصور، يصعب الحسم في الإجابة عن هاذين السؤالين، لكن الأكيد أن العروي انتقى كتابه للترجمة قبل أن يكون تهل بشائر "الثورات العربية"، وانتهى من الترجمة، ليخرج الكتاب إلى الجمهور بشكل شبه متزامن مع اندلاع أولى ثورات الربيع العربي، يقول مونتسكيو في الصفحة 209 من تأملاته "يا عجبا لتناقض الطبيعة البشرية، في روما القديمة لم يمنع القانون رجال الدين من المشاركة في الحياة المدنية. لم يعفهم من أي واجب سياسي، ومع ذلك نأوا بأنفسهم عن هذه الهموم. ثم جاءت المسيحية وفصلت فصلا واضحا بين الكنيسة والمجتمع. ومع ذلك تدخلت الأولى في شؤون الثانية، لكن باعتدال، ثم انحطت الإمبراطورية وأصبح الرهبان يشكلون جل، إن لم نقل كل أعضاء الكنيسة والمجتمع (...)، ليعقب العروي في هامش الصفحة الثامنة بالقول "يبدو أننا نعيش نفس الوضع، لا سيما في عالمنا العربي"، في الكتاب أزمنة فكرية مختلفة يشكل فيها زمن عبد الله العروي حيزا كبيرا يتبدى من أمثلة هذه التعقيبات والهوامش الكثيرة.
ألف "مونتسكيو" كتابه "تأملات في تاريخ الرومان" عندما كان في إنجلترا أثناء تجواله في أوربا القرن الثامن عشر، والكتاب جزء يندرج ضمن مشروع أوسع، تجسد لاحقا في كتاب روح القوانين، "ما هي علاقات كل قانون أعلى (كل دستور، كل شريعة) بالعوامل المتواجدة معه" كما يقول العروي الصفحة 8 من الترجمة العربية للكتاب، "مونتسكيو" ذلك المثقف "المتسامي عن جنسه وعقيدته وثقافته" يعتبر "خير مثال عن ما يعرف بعقلية القرن الثامن عشر، واسع الاطلاع، متحرر الفكر، متنوعة التجربة، يجمع بين ذوق الأديب وعمق الباحث المدقق ..."، لم يعنى بكثير وقوف عند الحدث التاريخية التي يشتغل عليه بقدر عنايته ووقوفه على الاستنتاجات التي يستخلصها من الأحداث، أو على القدرة الفائقة التي تمتع بها في المقارنات، بالإضافة إلى مهارته في تنزيل خلاصات أحداث وقعت ما قبل التاريخ على واقعه السياسي المعيش، - وكأن التاريخ يعيد نفسه- أو على عمق تحليله الظاهر من خلال الأسئلة الكبيرة التي طرحها في الصفحة العاشرة من الكتاب، من قبيل، "لماذا الغالب على الدول الأوربية القديمة النظام الجمهوري وعلى الشرقية النظام الملكي؟ فينزّل ذلك على زمانه عاقدا مقارنة الاستفهام والبحث عن سبب تجاوب الديانة المسيحية مع الجمهورية والديانة الإسلامية مع الملكية؟ أليس هذه أسئلتنا أيضا؟ أليست أسئلة الحاضر؟.
من خلاصات مونتسكيو الأساسية التي تنبه لها العروي، تلك التي تتعلق بالعرب، يقول مونتسكيو " يجب أن لا نرى في سرعة فتوحات العرب عامل الحماسة (المقصود الإسلام) فقط، إذ كانوا منذ قرون يخدمون الفرس والروم كقوات مساعدة، اعتبروا دائما دائما صحبة النبط، أجود رماة الأرض. لجأ إليهم الأباطرة (...) وجندوا منهم أكبر عدد ممكن. استفادوا من نجدتهم ضد البرابرة الجرمان إذ كانوا يفتكون بهم عن بعد، (...) كان القوط لا يصمدون لهم. وبالجملة كانوا يعتبرون في تلك الفترة أقوى فرسان الدنيا"، هي خلاصة واحدة، على الرغم من كونها ليست من صلب الموضوع المعالج، إلا أنها كفيلة بإعادة قراءة التاريخ العربي الإسلامي قراءة أخرى، لا تغّلب عنصر على آخر في فهم حركة الفتح العربي الإسلامي لبلدان العالم، ولا سيما في الفترات الأولى للفتح، أي قبل أن تفتر هذه القوة بسبب المدنية الطارئة على عقلية ونفسية الإنسان العربي.
مثل هذه الخلاصات الدقيقة يوجد منها الكثير في هذا الكتاب، ولعلها توابله المميزة، يقول مونتسكيو في الصفحة 133 مستخلصا من حدث اغتيال قيصر "ذهب الطاغية ولم تعد الحرية لأن أسباب غيابها لم ترتفع"، هنا نجد الكاتب يطرق باب زماننا من أوسع أبوابه، زمن شعوب عالمنا الثالث بعد سلسلة الانقلابات العسكرية، التي وعدت بالحرية بعد الإطاحة بـ"الرجعية" فعوضت الملكيات ذات الشرعية التاريخية، بـ"الجمهوريات الملكية"، التي لا شرعية لها، في خلاصة أخرى نجدها في الصفحة 158 يقول الكاتب "كلما زادت عزلة أعضاء البطانة استشرت سمومهم، نهجهم الدائم عدم التصريح والتلويح بكل شيء. يحطمون سمعة كل ذي هيبة وكفاءة. بأيديهم مستقبل كل وزير وكل ضابط. لا يخدمون الدولة ولا يرضون أن يخدمها غيرهم بامتياز ومجد", وفي أخرى يقول "إن أخطاء رجال الدولة لا تكون دائما اختيارية. غالبا ما تترتب عن وضع قائم إذ السيئات تولد السيئات"، وفي ثالثة (ص 214) يقول متحدث عن انهيار الإمبراطورية الرومانية الشرقية " كل المصائب التي ألمت بالروم جاءت من منبع واحد مسموم، تجاهلهم طبيعة وحدود سلطة كل من الكنيسة والدولة. لذا تاهت السلطتان معا. الفصل بين هاتين السلطتين، الذي هو ضمان أمن كل أمة، متأصل ليس في العقيدة وحسب بل في العقل وفي الطبيعة أيضا. الأمور المتميزة حقا، والتي لا تعمر طويلا إلا إذا ظلت متميزة، لا يجب أبدا مزجها"، خلاصة أخرى يوردها مونتسكيو أثناء حديثه عن انهيار قرطاج مرجعا السبب في ذلك إلى " إهمال الصالح العام يضر بالجمهورية ويقربها إلى الانحلال أكثر مما يضر دولة يحكمها طاغية. ميزة الجمهورية، وهي نظريا دولة الأحرار، هي أنها تدير المال العام بكيفية أفضل من غيرها، ماذا يحصل إذا حدث العكس؟"، هنا قد نجيب بكل اطمئنان مستشهدين بقرطاج اليوم وما حدث لرئيسها المخلوع "زين العابدين بن علي"، الذي فقد عرشه بسبب إدارته السيئة للمال العام وعدم مراعاته للصالح العام، لهذه الخلاصات وغيرها يمكننا أن نقول أن "العروي" أراد بهذا الكتاب أن يكتب عن واقعنا بالمماثلة، فبلغ المراد بأقصر الطرق، وفيا لنهجه العلمي المتمثل في التاريخانية.


يسمونها الردة ؟


سقط القناع عن القناع، هكذا يقول زميلا لي، وهذا هو حال البلاد أخيرا، هراوات وهراوات ولا شيء غير الهراوات، ومن اعتقد أن المملكة استثاء عليه ارتداء قناع من حديد، لا يسقط ولا يتساقط، المملكة ربما تكون مزهوة بالدعوة التي تلقتها بالإنظام إلى نادي ملوك العصور الوسطى، فباتت لا تقيم أي وزن لجيران الشمال، المزعجين بمطالبهم الحقوقية التي لا تنتهي، إلا لتبدأ من جديد، وربما تبرهن مملكة العهد الجديد لمن خطبوا ودها، أنها تستحق الانظام إلى هذاالنادي الفريد من نوعه، الأن فقط بتنا نستحق أن نكون أعضاء كاملي العضوية في نادي انصر أخاك ظالما وظالما وظالما، ولا تكف عن نصرته مهما كانت الظروف ولا تنسى أن قوات درع الجزيرة مستعدوة لإمدادك بالزبانية الغلاظ الشداد.
يحلوا لبعض المحليلين السياسيين، المتحللين من قيم المعرفة، نعت هذا الواقع بالردة السياسية عن مكتسبات العهد الجديد، والردة كما يعرف القاصي والداني، هي الرجوع عن الإيمان، ، وفي سياقنا نقول ونتسائل، متى آمن نظامنا السياسي بلا جدوى الهراوة كأحسن وسيلة للوصول إلى المبتغى؟ متى ارتد نظامنا عن ديانة الهراوة، في حالتنا كنا وما نزال نقول، لقد عاد نظامنا السياسي إلى إيمانه القديم، بعد الردة التي دامت أشهر، عندما كانت مسيرات حركة 20 فبراير تجوب شوارع المملكة مطالبة لحد الآن بوضع حد للفساد، فلا فساد حُد، ولا كفر دام، وكان نطامنا يحجم عن ممارسة ديانته الخالدة، الهراوة ثم الهراوة، حواريونا المتدينون بدين الهراوة لم يتحملو كفرنا الكبير بمعتقدهم الخالد، معتقد يحلو لهم ممارسته في أي مكان، في المخفر، وفي المعتقل، ولما في الشارع، المهم أن طقوس هذا الدين القديم يفضل أن تمارس بعيدا عن أعين الفضوليين من أمثال الصحافيين، أو من بيده تلك البدعة الخطيرة المسماة هاتفا نقالا بمكاميرا تصوير، المعُتقِد في هذا المعتقد آثم إذا مر أسبوع ولم يؤدي فيه الطقوس بكل إخلاص، وبما أن نظامنا السياسي قطب سالك فيه، فلم يتحمل كثيرا أن يظل بدون تأديت عبادته، فكنا نراه يخلص في إنزال الهراوة على كل من يكفر بدينه القويم، من طلبة معطلين، ودكاترة متنطعين، وشباب حالمين بغد تنمحي فيه ديانة الهراوة من أرض المملكة السعيدة، ويحل فيه كفر الحوار وزندقة الديمقراطية، عادت الممارسة إلى سالف عهدها، بعد أن استغفر القيمون على الشأن العام ربهم بالغدو والآصال، فشاهدنا مريدا من زاوية «الهراويين» يمارس طقسه الكبير في إحدى أزقة «طنجة» ينزل معبوده على أحد شباب 20 فبراير بكل وحشية، في ديانتنا نحن الكفار، وبكل إخلاص في دينتهم هم المتدينون بدين الهراوة الخالد.
بقي أن نشير فقط أن هذه الديانة قديمة في الوطن العربي، متعهدٌ بحمايتها من طرف حكامنا، باعتبارهم أنبيائها المجددين لها على رأس كل حين وحين، وهي بسيطة الممارسة، لا تتطلب إلا جسد إنسان، ويفضل أن يكون من أبناء الوطن المسضعفين، ظل بن علي يمارسها إلى آخر رمق من أيام حكمه الرشيد، كما واظب مبارك عليها، وتفنن علي عبد الله صالح وبشار الأسد في طقوسها، وعندنا كاد يخبو
بريقها لكن مريدها لم يسمحو بذلك. فشكرا لهم على رعايتها