الأحد، 27 يناير 2013

الدفالي: من كان يتوقع هذا الاستباق الذي قامت به الدولة في مواجهة حركة 20 فبراير، دستور متميز شئنا أم أبينا (4/4)


في إطار تيار العوداة دائما أنتم تولون أهمية كبرى للـ"بيوغرافيات" في دراسة التاريخ، لماذا هذا الاهتمام بهذا الدراسة التاريخية الدقيقة والضيقة نوعا ما؟
ربما مثلما لاحظ الأساتذة المؤسسون للكتابة حول تاريخ المغرب المعاصر، الأستاذ جرمان عياش والأستاذ إبراهيم بوطالب أن "المنوغرافيات" لها أهمية في كتابة تاريخ تركيبي للقرن 19، الآن يبدو أن التداخل الموجود في تاريخ الحماية ومن بعده تاريخ الاستقلال والتشعبات الموجودة فيهما، يبدو أنه من المداخل الرئيسية الآن هي البيوغرافيات، وأنا أتحدث عنها عن تجربة شخصية مع محمد بن لحسن الوزاني، فمن خلال البيوغرافيات يمكن التوصل إلى فهم قضايا وتوضيح أشياء مهمة يصعب توضيحها، وتصعب حتى صدفة اللقاء معها في البحث الذي يتناول موضوعا عاما، فأنت تشتغل على بيوغرافيا شخص معين صدفة اللقاء تتوفر بشكل كبير مع مجموعة من الأمور التي تهم الجماعة ككل، يعني وأنت تشتغل على شخص من الحركة الوطنية تجد أن أشياء مهمة جدا تهم الحركة الوطنية ككل، لو بحث عنها بشكل مباشر لن تجدها أبدا، كما أن البيوغرافيات تفسر لنا حتى بعض المشاكل التي عرفتها الحركة الوطنية في لحظة من اللحظات، الآن نتحدث عن رموز في الحركة الوطنية في إطار عام فيظهرون أقرب إلى الملائكة، لكن البيوغرافيات تكشف أشياء أخرى وتزن الأشياء بميزانها الحقيقي، تفهم أن لكل إنساء ما هو إيجابي وما هو سلبي، في جوانب يظهر كشخص يضحي من أجل الجماعة والوطن وفي جوانب أخرى  يظهر أنانيا وفرديا، في البيوغرافيات يمكن أن نجمع هذا الشتات ويمكن أن نخرج بدراسة وافية للحركة الوطنية، ونفس الأمر يمكن أن يقال عن رموز  فترة الاستقلال، أي ما بعد 1956  بطريقة أسهل من لو اشتغلنا على مواضيع معينة، هذه ليست دعوة إلى التخلي عن  دراسة المواضيع، لكن هي دعوة إلى تنويع الاهتمام، عدد الباحثين الآن محترم نسبيا، فليتوزعوا، قسم إلى دراسة البيوغرافيات وقسم يهتم بدراسة المواضيع العامة، هذا التوزيع هو الذي يمكن في النهاية من أن يهيئ لنا إمكانية كتابة تاريخ تركيبي يوضح بعض الأشياء التي نرغب في أن تكون واضحة.
دراسة المنوغرافيات والرموز قد تجلب على المؤرخ بعض المتاعب على مستوى الرأي العام خصوصا أن بعض رموزنا لا ينظر لهم إلا كملائكة كما قلتَ سابقا، كمحمد بن عبد الكريم الخطابي وعلال الفاسي ومحمد بن الحسن الوزاني والمهدي بن بركة وغيرهم كثير، أنتم تشتغلون على واحد من هذه الرموز، عندما سيخرج عملكم إلى الوجود هل تتوقعون أن يثير ضدكم  هجوما من أطراف معينة ما زالت تتغدى على التاريخ وعلى تلك الرموز، خصوصا وأن مجتمعنا يعيش استقطاب حادا نوعا ما.
على المؤرخ أن يقوم بدوره، بالنسبة لي ردود الفعل لا يجب أن يضعها في الاعتبار، البدايات تكون دائما هكذا، ريثما يتمرس الناس على هذه الحقائق، برأيي المؤرخ لا يجب أن يضع في اعتباره ما ستكون عليه ردود الأفعال، وهنا لا أقول بضرورة أن يبحث المؤرخ في هنات الوطنيين وفي سلبياتهم، هي الأمور تحدث بدون قصد، المؤرخ يبحث في الإيجابيات وفي السلبيات ليعطي للشخص كامل حقه، وهنا لا يجب الاهتمام بالرموز التي لها صيت حسن في المجتمع فقط، يجب العودة حتى للأشخاص الذين ينظر لهم نظرة سلبية، فالعديد من الرموز التي صنعتها في لحظة من اللحظات تصنيفات معينة، بالعودة إلى دراستها سنجد أنها مجرد لحظة من تاريخهم، لكنها برزت لتصبحت هي العامة، بينما توجد لحظات مشرقة من حياتهم لا أحد يلتفت لها، لما يشتغل المؤرخ بهذا الشكل فهو يخلق توازن أعتقد أن من مهام المؤرخ خلقه في الكتابة التاريخية دون أن يكيل المدح لأحد أو أن يدم أحد، المؤرخ لا علاقة له بالأحكام المطلقة وبالأحكام المجانية، هو يريد أن يكتب التاريخ، وهذا الأخير له شروط يجب عليه أن يهتم بها.
مما يساعد مؤرخ الراهن بوح المشاركين في صناعة أحداث قبيل الاستقلال وما بعد الاستقلال، ما نلاحظه هو أن السياسي الفاعل لا يبوح بتجاربه، وهنا تحضرنا تجربة عبد الرحمان اليوسفي ومحمد بوستة وغيرهم الذين لا يريدون أن يفصحوا عن أي شيء من تجاربهم السياسية، هل هذا يعني أن فاعلينا السياسيين ليس لهم وعي حقيقي بالتاريخ، أم أن حساباتهم السياسية أقوى من متمنيات الباحث في التاريخ؟
قليلون هم السياسيون الذين يفكرون في كتابة مذكراتهم أو تجاربهم حتى تستفيد منها الأجيال الأخرى، وأسباب ذلك كثيرة على رأسها انشغالاتهم، فالفاعل السياسي في المغرب شخص منشغل بدرجة قصوى، لا يجد أحيانا الوقت حتى لقراءة الصحافة، بل قد نجد عدد من الفاعلين لا يطلعون حتى على الصحافة التي تصدرها أحزابهم، همهم عملي، خاصة لما يكون الفاعل دينامي، فأحيانا حتى عندما تبيت نافدة مقر حزب سياسي في أقصى البلاد مفتوحة يصله خبرها، هذا كلام يقال بكثرة، لاحظ أن هذه الجزئيات البسيطة المتعلقة بالفروع وبالتنظيم وبالأشخاص لا تترك له وقتا ليقرأ، ولا تترك له وقتا حتى ليكتب مذكراته..
مقاطعا، لكن الفاعل السياسي المركزي في النظام المغربي، أي الراحل الحسن الثاني، وجد الوقت وكتب مذكراته، رغم كل انشغالاته، بغض النظر عن تقييمنا العلمي لتك المذكرات، لكنه على الأقل خلف لنا شهادة يمكن الرجوع إليها.
وهل يمكن أن نعتبرها شهادة؟ أم يمكن الحديث عن رسائل سياسية وجب أن توجه في لحظة من اللحظات، هذا هو الأساسي بالنسبة للباحث، بالنسبة لي حتى بعض الفاعليين السياسيين اضطروا للكتابة، لما تتحدث عن الحوارات التي أجراها الراحل الفقيه محمد البصري أو تلك التي أجراها محمد اليازغي وغيره تجد أنها رسائل معينة تريد أن تقول أشياء معينة بطريقة معينة، ومع ذلك هناك بعض السياسيين الذين كتبوا مذكراتهم، إلا أن ما يلاحظ هو أنه في اللحظة التي تريدهم أن يكتبوا يدركهم الصباح بشكل من الأشكال، ربما أخلاقيا وربما مراعاة لجهات أخرى وربما لحسابات معينة، ما أسمعه حاليا هو أن أغلب الفاعلين السياسيين القدامى يكتبون مذكراتهم بما فيهم اليوسفي، وفي جميع الحالات نحن لا ننتظر من تلك المذكرات أن تقول كل شيء، لكن على الأقل الذي الشيء الذي ستقوله سيكون مفيدا، مثلما أن المذكرات المنشورة حاليا أفادت البحث التاريخي بشكل ما، فيها أشياء من الصعب على المؤرخ أن يجد وثيقة تأكدها، وفي المقارنة بين هذه المذكرات قد يجد الباحث طريقا، حتى إن لم يكن هو طريق الحقيقة على الأقل قد يساعد في الوصول إليها، يمكن أن تترك ويمكن أن تتعز عندما تتوفر وثائق أخرى، الآن تاريخنا مرصود من قبل أخرين، بالنسبة لي دائما الوثيقة يجب أن تكون مختلفة الوجهات، يمكن مقارنة وثيقة مغربية مع واحدة أخرى فرنسية لنخرج بالحقيقة.
حركة 20 فبراير تنتمي كحدث للراهن "الملتهب" إذا صح التوصيف، أولا هل انتهى زخم الحدث بالنسبة للمؤرخ حتى يدرسه؟
بالنسبة للمؤرخ ما زال الحدث موجودا، لا يستطيع أن يلقي تجاهه أحكام معينة، الآن حركة 20 فبراير حركة ضمن مجموع ما يجري في العالم العربي من أحداث، أي ما يسمى بالربيع العربي، ونحن نلاحظ الآن التداخلات الموجودة، هناك اختلاف في قناعات واقتناعات الناس بما يجري، هناك من يتحدث عن الخريف العربي، وهناك من يتحدث عن الشتاء الإسلامي، سأعود دائما إلى تحفظ المؤرخ، بشكل عام فالبعد الزمني الذي هو سلاح المؤرخ، ينظر المؤرخ دائما للأشياء من بعيد، الآن البعد الزمني غير متوفر وأي كلام الآن في ذلك الحدث هو حديث في المستقبليات، وحتى اللذين يتحدثون في المستقبليات يتحدثون بأدوات وأشياء ملموسة يستندون لها، هذه الأدوات الباحث في التاريخ لا يتوفر عليها، وبالتالي يكون متتبعا ومنتظرا مثله مثل الأخرين، أقصى ما يمكن أن يقوم به المؤرخ الآن هو المعاينة، أما حيثيات الحدث والمستقبل فيصعب عليه الحديث فيهما، لذلك لما تعقد الندوات واللقاءات حول الموضوع يكون الغائب الأساسي هو المؤرخ، ولو أن بعض المؤرخين يكتبون في الموضوع لكن لما تقرأ ما يكتبونه تجد أنهم مباشرة يعودون إلى توظيف الماضي، وتجد أن هذا الحدث لا يوجد إلا مشتتا وسط المقال أو الدراسة، أما المعالجة المباشرة فليست هما تاريخا لحد الآن، الأشياء مازال يعلوها الضباب، دور العامل الداخلي ودور العالم الداخلي غير واضح، ودور الذاتي والخارجي كذلك، كيف تمضي الأشياء من طرف الجهات المهتمة؟ ما هي مصالحها من كل ذلك؟ أين تلتقي وأين تفترق؟ نظرات الشباب الذي يتزعم الحركة مع نظرات الأجيال السابقة؟ ما علاقة المدني بالسياسي؟ هذه أسئلة كثيرة متداخلة، ربما مازالت تحتاج لبعض الوقت لينقشع الضباب كي يمكن للمؤرخ أن يتحدث، الآن سماء العالم العربي كلها سحب، وصعب جدا على المؤرخ الحديث الآن، رغم أن حديثه يكون مقبولا لكنه ليس تاريخيا بالمعنى العلمي.
بعض الباحثين يلحون على أن حدث 20 فبراير انتصرت فيه البنية على الظرفية، ويستشهدون بأحداث تاريخية سابقة وقع فيها نفس الأمر مثل انتفاضة "الدباغين" سنة 1873 التي بينت نوعا من الحراك الاجتماعي في المغرب، لكنها عبارة عن ظرفيات وجزر معزولة في بنية قوية ومستمرة، تنتصر فيها الدولة دائما.
لا أحد يستطيع أن ينكر هذا الواقع، لكن حتى نقاشه يجب أن يكون مستندا إلى أمور ملموسة، هل من الباحثين من هو متمكن من معرفة نسق الدولة المغربية، جوابي لا أحد، الكل يتحدث كما يريد وبالشكل الذي يريد، لكن هناك نسق معين مستعص عن الفهم، تتصرف الدولة بأمور ثابتة وتتكرر باستمرار وننتبه إلى تكرارها ومع ذلك لا أحد يفهم هذا النسق، ربما الدولة تفهم كيف يتحرك المجتمع، ولما تفهم الدولة ذلك فهي تستطيع أن تقود المجتمع وتوجهه وتتحكم فيه، هذا الأمر في عمقه لا يمكن أن نعتبره سلبيا، لا أعتقد أنه بالمرة يمكن أن نتحدث عن الصراع الدائم بين الطرفين، الدولة لها تصورات والمجتمع لها ضرورات، وضروري أن يقع الصراع بين الطرفين، هذا الصراع يدخل في أسس استمرارية للدولة وحيوية المجتمع على حد سواء.
من كان يتوقع هذا الاستباق الذي قامت به الدولة في مواجهة حركة 20 فبراير، دستور متميز شئنا أم أبينا، لم يكن يحلم به الوطنيون الذي طالبوا بالدستور منذ زمن بعيد، الأحزاب ناضلت من أجل دستور أقل بكثير من هذا ولم تنل منه شيء، ثم مجموعة القوانين والأشياء التي أعتقد أنها لو فعلت لنقلت المجتمع المغربي نقلة نوعية، لا أحد ينكر أن حركة 20 فبراير أعطت نتائج مهمة، لكن السؤال المؤرق لماذا لم تستمر حركة 20 فبرار كحركة احتجاجية؟ حيت استطاعت أن تمارس نوعا من الضغط وأعطت نتائج سريعة، استمرارها كان إيجابيا ومنبها للدولة والمجتمع على حد سواء، هنا يطرح السؤال هل الأمر متعلق بضعف في بنية وانطلاقة الحركة، أم بقوة النسق الذي يستعمله النظام في التعامل مع مختلف الأحداث، الإجابة ليس سهلة، الأشياء لا تظهر الآن، القوة التي ظهرت بها الحركة والسرعة التي انهارت بها تطرح العديد من الأسئلة، يمكن أن نستمع إلى انطباعات من هذا الطرف أو ذلك، فحين تقع الأحداث يتحدث الناس كل حسب ثقافته وحسب وضعيته ورأيته للأشياء، وتبقى الحقيقة من كل هذا هي الغائب الأول.
الحراك العربي أعطى مدا قويا للحركة الإسلامية، بالمقارنة مع تجارب تاريخية سواء في العالم الإسلامي أو في العالم الغربي مع الحركات اليمينة هل يمكن أن نقول إنه بات معطى ثابتا وسيستمر في الوجود، أم أن أحسن تمرين للتعرف على الإسلاميين هو تمرين الحكم والحكومة ليصيروا مثل البقية.
المد الإسلامي ليس وليد حركة الربيع العربي بل كان موجودا، الناس كانوا موجودين وكانوا يشتغلون في المجتمع، والأن يحصدون تمار عملهم، لما جاءت الموجة عرفوا كيف يركبونها، كانوا متأكدين أن صناديق الاقتراع ستكون لصالحهم، لأنهم كانوا متواجدين في المجتمع، وروجوا أيديولوجيتهم بشكل كبير، لما أشاهد القنوات المصرية اليوم وعندما يستجوب شخص من عامة الناس يخلط الأشياء خلطا، يقول إن من يرفض الدستور يرفض الإسلام، كيف أمكن إقناع هذا الشخص بهذا النوع من الخلط في دهنه، لدرجة تسمع أحيانا أن مصر لمرسي ولجماعة مرسي فقط، كيف انتشر هذا النوع من الخطاب؟ ففي جميع الأمور يتم الخلط  بين ما هو ديني وما هو سياسي لدى عامة الناس، وأغلبية الناس فقراء وهي البنية التي تشتغل عليها الحركات الإسلامية، وبالتالي يكون صوتها مضمونا في الانتخابات وهنا الصوت لا يكون نتيجة اقتناع بمستقبل سياسي أو بمنطق سليم بل يكون بحسابات أخرى.       
إذا قارنا بما حدث في المغرب نلاحظ نفس الأمر صار عليه اليساريون يوما ما، هم كذلك اشتغلوا على المجتمع ووظفوا خطاب المظلومية، لكن تجربة أو تجربتين لهم في الحكم ضيعت كل المتعاطفين مع اليسار، هل نتوقع الأمر نفسه بالنسبة للإسلاميين؟
الحركات الإسلامية في إطارها الأول أغلبها سليل الحركة الأولى التي ظهرت بمصر، أي حركة الإخوان المسلمين، الشكل الذي يشتغل به الإخوان المسلمون أصبح درسا ومدرسة لكل التيارات الإسلامية في العالم العربي تقريبا، تقع التجارب هناك وتنتقل إلى جهات أخرى، لدرجة يصبح هناك نوع من الخلط ويتم الحديث عن أمور في المغرب أو في تونس هي في الأصل لا تهم إلا المجمع المصري، ومع كثرة النقل يتم هذا الخلط بشكل كبير، بالنسبة للتجارب الأخرى أي "اليسارية" شعاراتها كانت مجتمعية وعندما مارست السلطة بهذا الشكل أو ذلك كانت أبعد عن المجتمع، وليس بالضرورة أن نبدأ في التصنيف، لما وصلوا إلى السلطة راهنوا على الإصلاحات المتأنية التي يمكن أن تبني الدولة، لذلك اهتموا مثلا بخفض المديونية، أي لما تنخفض المديونية الاقتصاد سينتعش، لكن المشكل في هذا البلد من يضمن لك أن تبقى في السلطة طويلا، أو من يضمن لك على الأقل أن صناديق الاقتراع ستفرزك في الانتخابات المقبلة، هذه من الأخطاء التي وقع فيها اليساريون، فيوم وقع التخلي عنهم بهذا الشكل أو ذلك كانت الطامة الكبرى، بدأوا بناء معين وقبل أن يقف بناؤهم على رجليه تم التخلص منهم  فظهر أنهم لم ينتجوا شيء، وبما أنهم لم ينتجوا في المجتمع فسهل جدا اتهامهم بالعمل على مصالحهم بدل تحقيق مصالح المجتمع، ليس بالضرورة أن نبحث عن صحة هذه الأقوال، لكن ضروري أن تقال، والأكثر من ذلك لقد ظهر الأمر وكأن اليسار يتناقض مع شعاراته، يرفع شعارات مجتمعية ويطبق ضدها، الحركة الإسلامية فهمت الأمر، لذلك في شعاراتها تركز على ما هو مجتمعي، لأنها تعرف أن المسألة مرتبطة بصناديق الاقتراع وبأن الأغلبية فقيرة، وبالتالي لضمان هؤلاء لابأس من دغدغة عواطفهم بوعود، وهو ما نلاحظه حاليا في جل البلدان العربية، التجربة تقريبا شبه متشابهة وخصوصياتها ضعيفة جدا.
إذن يمكن أن نقول إن الإسلاميين دخول ولن يخرجوا، وأن النظام لن يعمل سياسته القديمة لدعم اليسار حتى يضرب به الإسلاميين كما كان يحدث في السابق.
كان ذلك في زمن الحرب الباردة، الآن لا يمكن أن يقف اليسار من جديد على قدميه إلا بإعادة ترتيب أوراقه ذاتيا، الخلل الآن داخلي أكثر منه موضوعي، فمادامت البيوت مهترئة فلا يمكن أن نتحدث عن شيء أخر، نلاحظ كيف تمضي المؤتمرات وماذا يتردد في الكواليس، وماذا ينتج عن أصوات النميمة وماذا تناقش، حتى بعض المرشحين في المؤتمر الأخير للاتحاد الاشتراكي مثلا يركزون على البيت، أحزاب اليسار الآن لا تعمل، الفروع مغلقة ولا تفتح إلا في المواسم الانتخابية، مع أن الأمر كان يقتصر على الأحزاب اليمينية فقط، لكنه عمم فيما بعد على الكل، والأكثر من ذلك هناك مدن بكاملها لا يتوفر فيها الحزب السياسي على مقر للتنظيم، يوم الانتخابات يبحثون بين أحد المتعاطفين مع الحزب عن بيت ليكون مقرا مؤقتا، ومنطقيا الإنسان هو أثمن رأسمال، إذا لم يتوفر لك هذا الرأسمال لن يتوفر لك أي شيء، التنظيمات اليمينية تتوفر على استراتيجيات معينة تتعلق برجال الأعمال، لديها تأثيرها الخاص، لكن بالنسبة للأحزاب التي تدعي أنها جماهيرية وأنها أقرب إلى الناس في نهاية المطاف لا توجد لديها حتى المقرات، المجتمع يعيش كوارث كثيرة ولا يجدها بجانبه، الحركة الإسلامية تقوم بالعكس ولا تنسى حتى الأشياء الصغيرة والبسيطة، مرشح الجماعة المحلية لا يوفر أي شيء للمواطن على المستوى الحقيقي لكن على المستوى الخدماتي هو موجود إلى جانبه، وهذا ما يجده المجتمع ويعترف به يوم الانتخابات.                              
                                                         
                               

الدفالي: ليس لموظفي المندوبية الكفاءة العلمية ليقوموا بعملية انتقاء الوثائق المغربية في فرنسا (3/4)

بالانتقال إلى محور تاريخ الزمن الراهن، هذا التخصص الذي ربما يدخله الباحث في التاريخ مرغما بدافع من الحراك العربي، والذي فرض عليه أن يدلي بدلوه فيما يحدث، خصوصا أمام الحاجة الملحة للمواطن العربي والمغاربي تحديدا لمعرفة ما وقع بأمسه القريب، أنتم كيف تنظرون إلى تاريخ زمننا الراهن.
الاهتمام بتاريخ الزمن الراهن جاء في إطار ضرورة بهذا الشكل أو ذلك، والأمر ليس متعلقا بالربيع العربي، بل قبل هذا التاريخ، الأمر يتعلق أساسا بمفهوم العدالة الانتقالية، في لحظة من اللحظات طرحت مسألة العدالة الانتقالية في المغرب، التي تحتاج إلى مصالحة، وهذه الأخيرة تحتاج إلى مكاشفة وإظهار المسكوت عنه فيما مضى، أغلب أصناف المعرفة اهتمت بالموضوع وكتبه عنه إلا أن المؤرخ كان هو المتأخر الأول عن هذا الاهتمام، فتعالت الأصوات أين المؤرخ على اعتبار أن دوره قد حان، ويجب أن يشتغل في هذا الموضوع، قبل هذه المرحلة لا نقول إن المؤرخ لم يكن يكتب في هذا الموضوع، هناك من كان يكتب في الراهن لكن بدون تسمية ودون اهتمام مباشر، وحتى في تاريخنا مجموعة من المؤرخين الذين نعتبر كتاباتهم مصادر لنا الآن كانوا يكتبون حول راهنهم، بالنسبة للمؤرخ العصري أو الجديد تخوفه من الكتابة في الراهن ليست تهيبا، المؤرخ لا يكتب إلا بمستندات، لا نكتب هكذا جزافا، ولما تغيب المستندات لا يمكنه أن يكتب، هذا هو العامل الأول والأساسي، لكن كما قلت لك لما أصبح الظرف يفرض تدخل المؤرخ لم يرفض التدخل، دخل المؤرخ المغامرة بشكل من الأشكال، وبدأ يهتم بهذا التاريخ، ولأن المستندات بدأ يفرج عنها نسبيا ولأنه بدأ التفكير في استغلال مصادر أخرى ليس بالضرورة أن تكون مستندات مكتوبة، كما بدأ التفكير كذلك في الرواية الشفوية وشهادة الأحياء وشهادة الأماكن، وبدأ الحديث كذلك عن مناهج أخرى للاستعانة بها في كتابة الراهن، كما بدأ التساؤل هل نكتب تاريخا للراهن؟ أم فقط نهيئ لكتابة تاريخ للراهن؟ هي تساؤلات مشروعة جدا، يمكن أن يعتبر المهتمون بالكتابة في الراهن حاليا أنهم يكتبون في تاريخ الراهن، ويمكن أن يعتبرهم أخرون مجرد باحثين يهيؤون لكتابة تاريخ للراهن، وفي جميع الحالات الأمر مفيد سواء اعتبرنا أن ما يكتب الآن هو فعلا في تاريخ الراهن أو اعتبرنا أنه مجرد تهييئ للكتابة فيه، هي أيضا خطوة مهمة ستيسِّر على الباحثين الراغبين في التخصص في هذا الباب عملهم، على الأقل سيجدون نقط الانطلاق، الآن القدامى الذين يهتمون بالكتابة في الراهن جاءوا من تخصصات أخرى، وينتمون لأجيال أخرى بحمولاتها القديمة، ربما لن يكتب التاريخ الراهن إلا الجيل الجديد، من جهة لأنه سيتمرس في التكوين على هذا النوع من التاريخ ومن جهة أخرى لأنه متخلص من الحمولات الأيديولوجية التي يحملها الجيل القديم، وبالتالي يمكن أن يكون أكثر جرأة وأكثر انفتاحا على هذا النوع من التاريخ، لأن اللذين يهتمون بالراهن في أنفسهم  شيء من حتى..
بتأكيدكم أن سؤال الراهن كان مطروح عند المؤرخين القدامى كابن خلدون قد يعترض عليكم معترض بالقول إن أولائك القدامى كانوا محكومين بمنطق الإخباري وليس بمنطق المؤرخ المعاصر المحكوم بالهاجس المنهجي، بماذا تردون على مثل هذه الاعتراضات.  
لما نحيل على الذين كتبوا في الراهن من القدامى فنحن نحيل على الكتابات الإسلامية دائما، وهي كتابات منذ بدايتها كتبت حول راهنها، وحتى لما نقول إن المنهج المتبع فيا هو منهج الإسناد، بمعنى أن الرواية الشفوية حاضرة بقوة، إذن هؤلاء الناس وظفوا الرواية الشفوية، بمعنى أنهم يكتبون تاريخا مازال الشاهد عليه على قيد الحياة، أو على الأقل الجيل الموالي لهم مباشرة ممن سمع الرواية منهم، إذن بهذا الشكل أو ذلك هو تاريخ الراهن، لما كتب مؤرخ البلاط حول ما يجري في البلاط وفيما بعد أصبح مصدرا من مصادرنا، ماذا كان يكتب؟ ألم يكتب تاريخا راهنا؟ أما مسألة هل هو تاريخ إخباري أم لا؟ فتاريخنا كله أو جله إخباري، وحتى في دراستنا للتاريخ لا نميز إلا مؤرخين قلة مثل بن خلدون الذي نعتبره يستعمل العبرة والعقل، أما أغلب مؤرخينا فنعتبرهم إخباريين، وحتى التاريخ الإخباري كان المجتمع في حاجة له، السؤال في عمقه آت من كون المؤرخين كانوا مبتعدين عن الراهن ولا يفكرون فيه، انطلاقا من مجموعة من الأمور، من بينها متى يمكن أن يفتح هذا النوع من الوثائق، فالمدرسة التاريخية المغربية كانت دائما ترى أنه إذا لم يمر على الحدث تقريبا 50 سنة لا مجال للحديث عنه، وهي المدة التي لم تأتي اعتباطا، بل أتت من بعض القواعد التي تنظم الاطلاع على الوثائق، إذ لما يقال بأن هذا النوع من الوثائق لا يكون في يد الباحث إلا بعد مرور 30 سنة، وهذا النوع لا يتاح إلا بعد مرور 50 سنة والنوع الثالث غير مسموح بالاطلاع عليه إلا بعد مرور 100 سنة وبعضها الأخر لا يسمح بالاطلاع عليه أبدا، المؤرخ يدخل في اعتباره كل هذه الأمور ويختار مدة 50 سنة  باعتبارها المدة الوسطى، ثم لا ننسى أن المدرسة المغربية العصرية مدرسة وضعية تعتمد الوثيقة، ونعرف أن المؤرخين المغاربة، وخصوصا منهم مؤرخو القرن 19 ومنهم الأستاذ جرمان عياش والأستاذ إبراهيم بوطالب وغيرهم، أولوا أهمية كبرى للوثيقة، وأن الجيل الجدد من المؤرخين تخرج على أيدي هؤلاء الأستاذة وبالتالي فقد حافظ على هذا التوجه إلى حدود الثمانينيات، فإلى حدود هذه المرحلة كان الحديث عن الحماية مرفوضا، أيام كان البعض يعتبر أن الحديث في الحماية ليس هم المؤرخ، إنما هو هم الصحافي والسوسيولوجي وغيرهم من التخصصات، فبالأحرى الآن يتم الحديث عن مرحلة ما بعد الاستقلال، ربما الطفرة التي وقعت خلقت نوعا من الإشكال، لقد اشتغلت المدرسة المغربية على القرن 19 بشكل كبير وانتجت فيه إنتاجا مهما، فيما بعد فتح بعض هؤلاء على الحماية، لكن وقبل أن ندرس الحماية بشكل دقيق انتقلنا مباشرة إلى فترة الاستقلال مع الاهتمام بالراهن، هناك من يرى أن لا مجال للكتابة في الراهن دون تصفية مرحلة الحماية دراسة وبحثا، الجواب على هذا السؤال أتى من بعض الأساتذة الذين يرون أن فترة الراهن لا تبدأ من 1956، بل تبدأ من 1912 إلى 1999، بما يعني أنه وقع نوع من التدارك، أي أن هؤلاء الباحثون يقولون من حقنا أن نشتغل في مرحلة ما بعد 1956 لكن من حقنا كذلك أن نحافظ على خط العودة إلى سنة 1912 حتى نحقق التوازن الذي يطالب به البعض.
في مسألة الأرشيف هناك كتابات كثيرة، من بينها كتابات تونسية تعتمد عل كتابات فرنسية، تتحدث عن كون الفتح الكبير الذي ينتظر المؤرخ من رفع الدولة ليدها على الأرشيف لن يكون فتحا كبيرا، الدولة لن تفتح أرشيفاتها إلا بمنطق انتقائي صرف ومحدد بقوانين، فلا يتمكن الباحث من الاطلاع على المادة الأرشيفية في كليتها ليأخذ منها ما يريد، كيف تنظرون إلى المسألة.
ولكن على كل حال هناك سيفرج على بعض الوثائق، عكس أن لا تتوفر لديك أي وثيقة، هنا الفرق بين أن لا تتوفر على أي وثيقة أو أن تكون لديك وثائق منتقاة، فإذا كان هناك باحثان واحد  يشتغل من فراغ  والأخر ينطلق من وثائق منتقاة، أعتقد أن عمل الأخيرة سيكون أفضل، على الأقل لأن التاريخ لا يكتب دفعة واحدة، الشعوب كلها تتحدث عن تجديد الكتابة التاريخية، كل جيل يكتب التاريخ بطريقته الخاصة، وهذا الصنف من المعرفة الإنسانية هو الرئيسي من بينها الذي تعاد كتابته باستمرار، بالنسبة لي قد تكون هناك وثائق منتقاة اشتغل بها الآن وفيما بعد تظهر وثائق أخرى الجيل الموالي سيعيد الاشتغال والقراءة والنظر في كل الأمور، في تونس التي تتحدث عنها، الراهن لا يطرح بالحدة نفسها كما يطرح في المغرب، لأن في المشرق العربي وفي تونس كذلك ونظرا لاهتمام الباحثين بما هو سياسي وما هو أيديولوجي بشكل كبير، الراهن دائما يكتب حوله بشكل أو بأخر سواء من طرف المؤرخين أو من غيرهم، إذا حاولنا أن نبحث في تاريخ مصر سنجد أنه مع ثورة الضباط الأحرار كتب الكثير عن  المرحلة الملكية (عن الملك فاروق وعن الأحزاب السياسية وغيرها) بأهداف أيديولوجية، في إطار البحث عن الهناة وعن الفساد وغيره، كذلك يوم انتهت فترة حكم جمال عبد الناصر في عهد أنور السادات وجدنا الكثير من الكتابات عن فترة حكم عبد الناصر، ويوم انتهت فترة حكم السادات وفي عهد حسني مبارك وجدنا الكثير من الكتابات عن السادات، هذا النوع من التغيير في "النظام" يفسح المجال ويفتح الأرشيف نوعا ما أمام الباحثين ليكتبوا عن بعض المراحل التاريخية، وتونس في مرحلة زين العابدين بن علي اطلع المؤرخون فيها على أرشيف يهم مرحلة الحبيب بورقيبة، فوجدنا في لقاءاتنا وندوات أو حتى في كتاباتهم الحديث عن بورقيبة موجودا إلى حد ما، المشكل في المغرب هو أن التاريخ البعيد نسبيا، ونعني به التاريخ الوسيط والحديث، كان دائما قويا، فرض نفسه، لأن المؤرخ يجد مقدرة أكثر على المناقشة وعلى الكلام وعلى النقد، بينما بسبب ما وقع في السبعينيات والثمانينيات ظل المؤرخ يتهيب من الكتابة في الأزمنة القريبة خوفا من أن يفهم خطأ، ونعرف أن بعض المؤرخين كتبوا عن مواضيع معينة فكانت النتيجة السجن.
فيما يخص مرحلة المقاومة استردت المندوبية السامية لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير أزيد من مليوني وثيقة مغربية من الأرشيف المغربي في فرنسا لكنها اعتمدت مبدأ الانتقائية في العملية، سؤالنا بأي منطق تنصب المندوبية نفسها طرفا عالما يرشح هذه الوثيقة ويقصي الأخرى، أليس في ذلك حرمان لكم كمؤرخين محترفين من وثائق ترون أنها مهمة وترى المندوبية عكس ما ترون؟
لابد أن نعود بالحديث إلى ما قبل هذا، ففيما يخص المندوبية السامية الناس منقسمون، هناك من يرى أن مهام المندوبية تهم المقاومين وملفاتهم، أي الجانب الاجتماعي لهذه الفئة التي ضحت من أجل الوطن ولا دخل للمندوبية بالأمور العلمية المتعلقة بهذه الفترة، وهذا الكلام لا يقال من باب المزايدة عليها، بل لأنها لا تتوفر على أطقم علمية متخصصة، وليس لها جهاز يمكن أن يشتغل على هذا السياق، لأن من يشتغل معها مجرد موظفين ولجوها بمباريات وظيفية للعمل على ملفات إدارية، وبالتالي ليست لهم الكفاءة العلمية حتى يقوموا بهذا النوع من العمل، وهناك من يرى أن الفراغ في الجامعة المغربية وعدم اهتمامها بهذه المرحلة من تاريخ المغرب هو الذي هيء الفرصة للمندوبية، ففي الوقت الذي كانت الجامعة المغربية ترفض أي حديث في تاريخ المقاومة لا تعتبره كلام مؤرخين ولما وجدت المندوبية هذا الفراغ بدأت تشتغل، ولما وجدت أن ما يتعلق بالملفات بدأ ينتهي، بالتالي وجدت أن نهايتها بدأت تقترب، بحتت لنفسها عن اهتمامات تجعلها تستمر على قيد الوجود، لابد أن نتذكر أنها بدأت بملفات تتحدث عن المقاومين، عن من توفي منهم وتعطي نبذة عن حياتهم، وتحولت إلى كتابة مقالات عن المقاومين وعن تاريخ المقامة، ثم أصبحت تعقد ندوات بشراكة مع عدد من الكليات والجامعات، ثم أصبحت تصدر مجلة تهتم بالمقاومة وتنشر كل الندوات التي تعقدها المندوبية، إذن بدأت تجد لنفسها مكانا، وربما ظهر لها أن إمكانية الاستمرار في هذا العمل تساعد على استمرارها هي أيضا في الوجود كمندوبية.
إذا عندنا إلى مسألة الوثائق والانتقائية فطبيعة المندوبية كمؤسسة رسمية لا يمكن إلا أن تشتغل بانتقائية، لأنه لا يهمها كتابة تاريخ بمعناه العلمي الموضوعي، رسميتها تدفعها إلى كتابة التاريخ بمعناه المدحي، أي تاريخ الأمجاد، كلما يظهر لها سلبيا أو أنه ينتقص من قيمة المقاومين تتحاشاه، هذا اختيارها، وهناك من يراه سلبيا بالكلية، وهناك من يراه على الأقل يوفر بعض الوثائق، ثم على الباحث فيما بعد البحث عن الوثائق الأخرى غير المنتقاة، التي تغطي النقص الموجود، والأكثر من هذا وذلك نحن نسمع بمليون وبمليونيْ وثيقة لكن أين هذه الوثائق؟ هل ستكون رهن إشارة الباحثين أم ستبقى حكرا على المندوبية وموظفيها؟ هذه هي الأسئلة التي وجب أن تطرح حول هذه الوثائق، لا يمكن تقييم هذه الوثائق إلا إذا شاهدناها، أما الآن صعبٌ جدا التقييم، أعتقد أنه حتى الموظفين الذين كلفوا بجمع هذه الوثائق لا تربطهم علاقة بالتاريخ، هل جمعت هذه الوثائق بتوصيات معينة؟ أم صورت وثائق متعددة ثم بدأ فرزها؟ هنا الأشياء غير معروفة نهائيا، وبالتالي لا يمكن الحكم عليها قبل الاطلاع عليها مليا.
في إطار التاريخ الراهن دائما يطرح بعض الباحثين ما اصطلح عليه بـ"تيار العوداة" أي عودة التاريخ المحلي، وعدوة الفرد، وعودة المدة القصيرة، وخاصة العدوة الكبيرة للتاريخ السياسي، هل يمكن أن نقول إن ألق مدرسة الحوليات في المغرب يخفت ويتراجع، وكيف تقيمون الانتاج التاريخي المغربي المرتبط بمناهجه ومواضيع بهذه المدرسة، إذا كنا فعلا تنوفر على إنتاج تاريخي ينتمي لهذه المدرسة.
الأمر له علاقة بما هو سياسي طبعا وربما بما هو أيديولوجي بشكل كبير، ففي مرحلة من المراحل أغلب مثقفي العالم الثالث كانوا متعاطفين مع الفكر الاشتراكي والشيوعي، من هذا المنطق الجميع فكر في تحليل تاريخ المغرب استنادا إلى التحليل الماركسي، التحليل المبني على المادية الجدلية، أي دور الاقتصاد أساسا وصراع الطبقات، طبقا للمقولات الموجودة في البيان الشيوعي والموجودة في نقد الاقتصاد السياسي، كانت هي التي أطرت الباحثين في المغرب، كيف يمكن أن نبحث في تاريخ المغرب اعتمادا على دور الاقتصاد كبنية تحتية أساسية تتحكم في البنيات الأخرى؟ ثم كيف يمكن أن نحلل تاريخ المغرب استنادا إلى صراع الطبقات، بالنسبة لنا كجيل الاقتصاد كان كل شيء، ولما يضعف البحث في مجال الاقتصاد لابد أن ينعكس على المادة التاريخية، ويمكن أن تصبح مادة تاريخية متعسف عليها، ومؤولة تأويلا متطرفا قد ينسجم مع المادة النظرية لكنه لا ينسجم مع الواقع، الآن علميا النظرية المتحكمة سياسيا وأيديولوجيا هي النظرية الليبرالية، وهي تقدم كل ما هو سياسي على كل ما هو اقتصادي، والاقتصادي نفسه قضية سياسية، والمجتمع قضية سياسية، والسياسة قضية سياسية.
في إطار هذه الموجة العالمية جاءت العودة إلى السياسي، يعني ليس بالضرورة أن نربطها بعوداة مدرسة الحوليات، الموجة العالمية هي المتحكمة، دائما المحطات التاريخية موجات، من لم ينتبه لها لا يمكنه أن يفسر العديد من الأشياء، الموجة الآن ليبرالية وهي تعطي الأهمية لكل ما هو سياسي، وتعتقد أنه المتحكم في كل شيء، إذا صلح السياسي صلح كل شيء، وحتى في الساحة السياسية نفسها فلما تجد الآن مجموعة من اليساريين القدامى يرفعون شعار الديموقراطية وشعارات حقوق الإنسان والدفاع عن المهمشين، وكلها شعارات ليبرالية كانوا ضدها في لحظة من اللحظات، الكل اليوم متفق على أنها تشكل الحد الأدنى الذي يمكن أن ينهض بالمجتمع المغربي، وبالتالي فحضور السياسي قوي، وحضور الليبرالي إذا شئنا قوي، وهذه العودة هي قناعة، الآن يرى الجميع أو الأغلبية على الأقل أن المدخل حتى للكتابة التاريخية هو المدخل السياسي، ومجموعة من التحليلات التي كانت تتناقض مع المدرسة الماركسية يتعامل معها الآن بشكل عادي، ولو أن الأمر حدث حتى دون نقد ذاتي، الناس سارت مع الركب الجديد حتى دون أن تناقش التجارب السابقة، وكأن الأمر عادي ومقبول ومعقول، وفيما يخص مدرسة الحوليات، صحيح أن المدرسة المغربية في فترة ما أعجبت بمدرسة الحوليات وأعجبت بالتاريخ الجديد، وفعلا مجموعة من المؤرخين الجدد صاروا في هذه الركب وأنتجوا أشياء مهمة، لكني لا أعتقد أن أحدا منهم تخلى عن  بعض الأمور التي أخدها عن الآباء المؤسسيين  للجامعة المغربية، لأسباب كثيرة، من ضمنها أن الأرشيف المتوفر وما وصلت إليه الكتابة التاريخية في فرنسا لم يكن هو الأمر نفسه عندنا، التاريخ الفرنسي أنداك مع بروز مدرسة الحوليات بلغ درجة معينة استفادت منها مدرسة الحوليات، لم يصل التاريخ عندنا إلى تلك المرحلة حتى يمكننا أن نطبق مناهج مدرسة الحوليات، وبالتالي طبقت بعض الأمور من بينها التاريخ الجديد في بعض القضايا وبعض المحطات، لكن يصعب جدا أن نقول إن المغرب أفرز باحثين مخلصين 100%  لمدرسة الحوليات، الأمر ليس متعلقا بالتعاطف فقط، بل مرتبط بالشروط أكثر، هل توفرت الشروط اللازمة للمؤرخ لكي ينتج تاريخا بنفس الطريقة التي أنتجت بها مدرسة الحوليات، ربما كان هذا الجانب حاضرا عند المؤرخين المغاربة لكن رغبتهم كانت أكيدة في أن تنفتح المدرسة المغربية على مختلف المدارس الجديدة حتى يتم تطعيمها بمناهج جديدة قد تفسر أو تأول أمور بعينها عجزت الطريقة السابقة عن تفسيرها وطبعا في إطار المعقول والمقبول.
من هذه الشروط كذلك ما يتعلق بالمؤرخ في حد ذاته، أشرتم سابقا إلى أنه فيما مضى كان الجميع يفسر بالمادية الجدلية والتحليل الماركسي للتاريخ، السؤال الذي يطرح نفسه هو عن تلك المسافة المنهجية الذي يتوجب على المؤرخ التحلي بها حتى لا يصبغ التاريخ بأيديولوجية معينة، أنتم كجيل ربما عانيتم من هذه المشاكل المنهجية بشدة، هل تعتقدون أن بالحاث الحامل للهم الأيديولوجي يمكنه أن ينتج تاريخا موضوعيا؟
مثلما أومن بضرورة الأيديولوجيا لأنها تساعد على تفكيك مجموعة من الأمور، ومثلما أرى أن الباحث المطلع على الأيديولوجيا المختلفة هو أقدر على كتابة تاريخ أكثر وضوحا، في نفس الوقت أومن بأن الذي تصبح لديه أيديولوجيا ما عقيدة لا يمكن أن يكتب التاريخ، لأن تلك العقيدة تهيمن عليه ويصبح أسيرا لها، وبالتالي لا يكتب إلا استجابة لتلك الأيديولوجيا التي يأمن بها، فهو يعتقد أن ما يكتبه هو التاريخ الحقيقي، وأحيانا لما يقرأ له الأخرون يلاحظون وكأنه أت من كوكب أخر، يعني حتى الأمور العامة التي يجب أن يعرفها الجميع يبني عليها فرضيات تهمه وتهم انتماؤه الأيديولوجي، يبني التاريخ على وقائع تهم تنظيمه السياسي مثلا، أو تهم التنظيمات السياسية التي كان تنظيمه يتعاطف معها، ويفسر التاريخ وكأن هذه الأحداث هي التي تحكمت، مع أنه لما يعود المؤرخ إلى تلك الأحداث يجد أنها مجرد أحداث هامشية، لم تكن أحداث بالمعنى الحقيقي إلا عند تلك الفئة المقتنعة بتلك الأيديولوجيا، أما لدى أغلب المجتمع فكانت هناك قضايا أخرى أهم، فهو يهمش القضايا الكبرى لحساب القضايا الصغرى التي لها علاقة بالأيديولوجيا التي يؤمن بها، وبالتالي يمكن أن نسمي التاريخ الذي كتبه هو تاريخ من وجهة نظر أيديولوجيا وليس تاريخا بالمعنى الذي يملكه الجميع.

الثلاثاء، 15 يناير 2013

الدفالي: من ليس له ماضي ليس له مستقبل والتاريخ هوية وذات (حوار 2/4)

حاوره: سعيد بنرحمون
باعتباركم تدرسون في ثلاث جامعات مغربية وتعرفون أن جل المؤرخين المحترفين سيغادرون إلى التقاعد الطبيعي، كيف ترون مستويات الطلبة الباحثين ممن يمكن أن يعول عليهم لسد الخصاص مستقبلا.
الخطأ التي وقت فيها الجامعة المغربية، وبشكل مباشر سواء الأستاذة المؤسسون أو الذين أتوا من بعدهم هو تغيب التفكير في الخلف، لم ينتبه الباحث إلى أنه سيغادر يوما إلى التقاعد، ومن التقاعد إلى القبر، وبالتالي لا يفكرون في الخلف، وبالتالي لا تجد أساتذة يؤطرون مجموعة من الباحثين الشباب ويهيئونهم، ولما لا الدفاع عنهم ليلتحقوا بالجامعة، هذا الأمر غير موجود لدينا، فجأة لما بدأ الأستاذة يقتربون من التقاعد انتبهوا للأمر، أصبح هناك نوع من التخوف من أن مغادرتهم قد تلحق بالجامعة أناس لا يحافظون على نفس المكانة التي حصلت عليها شبعة التاريخ، وللتذكير شعبة التاريخ وخاصة الصيت الذي أعطته لها كلية الآداب بالرباط، جعل المعرفة التاريخية معرفة محترمة، ينظر لها على أساس أنها معرفة جدية ورصينة، أصحابها ليسوا من النوع المتسرع، قلت انتبهوا في ظل ذلك التخوف وبدأ التفكير نسبيا في الخلف، لا أدري أين وصلت الأمور لكن على كل حال بالنسبة لي لا خوف على الجامعة لسبب بسيط، هو أن الطلبة الباحثين الموجودين حاليا وجدوا أمامهم من يوجههم، ومن يستشيرون معه، وبالتالي انطلاقتهم جاءت في درجات أعلى بكثير من الدرجات التي انطلق منها السابقون، كان الباحث في السابق "دونكشوطيا" بهذا الشكل أو ذلك، يحارب في معركة البحث طواحين الهواء، حتى الأرشيفات كانت غير متاحة وشبه غائبة وكذلك الوثائق، بل حتى الكتب، أحيانا كان لزاما على الباحث التنقل إلى مدينة أخرى من أجل الحصول على بعضها، الشروط أفضل الآن وربما ما وصله البحث التاريخي سيسهل مأمورية الباحثين الجدد، ويفتح أمامهم آفاقا لا شك أنها ستجعل مستواهم في البحث أفضل من مستوى الجيل السابق.
ارتباطا بالباحثين القدامى تعقدون في جمعيتكم "الجمعية المغربية للبحث التاريخي" شبه موسم ثقافي كل سنة، واحدة في الرباط وأخرى في مدينة جامعية أخرى، كيف تقيمون تلك الأيام أخدا بعين الاعتبار بعض الأصوات التي تتحدث عن التفاوت الكبير في مستوى تلك الدورات، وتتحدث عن لا جدوى عقد دورات سنوية. 
زاوية النظر إلى مثل هذه الأعمال يجب أن تكون نوعا ما ذات أفق واسع، فاللقاء السنوي متعدد الأهداف. بدأت الجمعية مع الاستاذ إبراهيم بوطالب هذا النوع من الأنشطة واللقاءات السنوية، فهي توفر للأستاذة المهتمين فرصة اللقاء سنويا، وهذا جانب إيجابي، كنا لا نعرف حتى أسماء أساتذة في جامعات أخرى، فنحن في الدار البيضاء نعرف أساتذة الرباط، أو بعض الأسماء الذين انتقلنا لجامعاتهم للمشاركة في ندوات علمية، الجمعية وفرت لنا هذا اللقاء السنوي، وهو ليس لقاء للتعارف الشخصي فقط بل تعارف في مجال البحث، تبادل الأسئلة والتعرف على مجالات اشتغال الباحثين، هذا أمر مهم من الناحية الإنسانية والمعرفية، الجمعية ليست مسؤولة بالكامل على مواضيع اللقاءات السنوية، فهي تتكلف بالتنظيم، المواضيع تختارها الجامعات الحاضنة للقاءات، وهي تقترح الموضوع من اهتمامات باحثيها بذلك الموضوع، والأكثر من ذلك أنها أحيانا إذا لم تقترح أغلبية المشاركين فهي على الأقل تقترح جزءا مهما منهم، ثم حتى أهمية المساهمات وتوازن المواضيع مع بعضها دائما ذات أهمية، طبيعة الموضوع وطبيعة الاهتمام به وتناول المؤرخ له كلها عوامل تتداخل وتفرز نتائج للقاء قد تعجب البعض وقد لا تعجب البعض الأخر، المهم النسبة لي أرى أن المرحلة التراكمية ضرورية، لا يمكن أن نفرز الجيد من غيره ما دمنا لم نحقق تراكما في الإنتاج المعرفي التاريخي، وهنا لابد من الإشارة إلى أن أقل الباحثين في أصناف المعرفة إنتاجا هم المؤرخون، لأنهم الأكثر تؤدة، دلو المؤرخين هو أصغر الدلاء في بئر الثقافة، الأدباء والفلاسفة والسوسيولوجيون والسياسيون وغيرهم ينشرون وبكثرة، لكن المؤرخ لا ينشر إلا قليلا، رغم أن ما نشر في المعرفة التاريخية مهم جدا، وهنا لابد من الإشارة ثانية إلى الدور الكبير الذي لعبته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في نشر المعرفة عامة والمعرفة التاريخية على وجه الخصوص، فداخل ما نشر في هذه الكلية مكانة التاريخ في النشر مكانة رئيسية، وفي جزء منها الكلية لعبت دورا كبيرا وحتى الباحثين في التاريخ لعبوا دورا حتى يصبح لهذه المعرفة مكانتها التي تستحق في الساحة الثقافية والمعرفية المغربية.
بالانتقال من المستوى الداخلي لبيت البحث التاريخي إلى مستوى تعامل الدولة مع المادة التاريخية، بدأت مؤخرا العناية رسميا بالتاريخ من خلال إنشاء العديد من المؤسسات الحاضنة للبحث التاريخي، كالمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب ومؤسسة أرشيف المغرب والتفكير الجاري حاليا في خلق دار تاريخ المغرب، كيف تقرؤون هذه الدينامية على مستوى المؤسسات الرسمية.
الأمر نسبيا واضح، من جهة الكل يعي أهمية المعرفة التاريخية بالنسبة للشعوب، ولا نبالغ إن قلنا مع القائلين إن من ليس له ماضي ليس له مستقبل، وعلى كل حال التاريخ هوية وذات، ومن جهة ثانية التاريخ في أبسط تعاريفه هو الإنسان، عندما يهتم الإنسان بتاريخه فهو يهتم بذاته ويشرئب إلى المستقبل، الاهتمام بالتاريخ له أهداف، هو ليس اهتمام مجانيا، بل اهتمام نحاول من خلاله بعث وتجديد الروح فينا وأن نرى المستقبل، ومن هنا أي دولة كيفما كانت تبحث عن مستقبل أفضل لابد لها أن تهتم بالتاريخ، وطبعا لما تجد مؤرخين يساعدونها بهذا الشكل أو ذلك، أو يكونوا مستشارين لها في هذا الصنف المعرفي تصبح الأمور سالكة، وهو ما لاحظناه مؤرخا، لما يتم الحديث عن المعهد الملكي للبحث التاريخي فهناك الملك أساسا وهناك أيضا الأستاذ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية فالمعهد يتبع لهذه الوزارة، ولا شك أن الرجل لعب دورا أساسيا في خلق المعهد، وما دمنا نتحدث عن المعهد فلابد من القول إنه رغم كونه معهدا رسميا إلا أن إطاره العلمي شيء آخر، قد لال يتصور الآخرون درجة الاستقلالية التي يشتغل فيها المعهد ودرجة البحث المعرفي الأكاديمي الحقيقي الذي يتمتع به ، لا أحد يوجه المعهد في اتجاه معين خارج ما هو معرفي، وربما هناك عوامل كثيرة تضمن هذه الاستقلالية من بينها شخص المدير الأستاذ محمد القبلي، الباحث ذائع الصيت، وأحد المؤسسين للجمعية المغربية للبحث التاريخي وعمدة قوي في كتابة تاريخ المغرب الوسيط، والشخص على ما أعتقد لا يمكن أن يقبل بأي تدخل في الأمور المعرفية.
إذن أنتم تنفون ما أوردته أسبوعية الأيام في عددا 545 في خبر مقتضب تتحدث فيه عن كون مسودة كتاب "تاريخ المغرب تحيين وتركيب" التي سلمت للقصر كانت أقوى من النسخة الرسمية التي أعلن عنها في 17 نونبر 2012.
هذا كلام لا ينسحب عليه إلا بعض أقوال لينين في لحظة ما "والدين يأخذون على الصحافة أقوالها فليلغوا تاريخ مولدهم في القرن 20" لأن مثل هذا الكلام العائم الذي لا سند له يجب الاحتياط منه، الكتاب مثلما كتبه الباحثون مثلما خرج، وهذا الأمر موجود في حوارات كثيرة مع الأستاذ محمد القبلي ومع أساتذة من المعهد، ليس هناك مسودة أقوى من الكتاب، طبعا المسودة تبقى مسود، فعندما نقول إن 40 باحثا شارك في الكتاب، لا يمكن أن يكون هناك خيط ناظم بين 40 شخصا، فهيئة التحرير التي أعادت صياغة هذه الأعمال، هي التي وجدت الخيوط الناظمة بينها وهذا عملها، لكن هل تصرفت في المضمون؟ لا أعتقد، هذا الأمر غير موجود نهائيا..
مقاطعا.. هذا أمر مفهوم أكاديميا، أنا أتحدث عندما تقدم مشروع الكتاب إلى القصر وانتظر سنوات قبل الإعلان عنه، في تلك الفترة يتحدثون عن تدخل رسمي في الكتاب.
لا لم يتدخل أحد في الكتاب، بشكل مطلق، هذا أمر معروف لذا الجميع، أما التأخير في الإعلان عن الكتاب فلأنه كان فقط ينتظر دوره، لأن المعهد كما قلت رسمي ولا يمكن أن يصدر كتابا من هذا النوع والحجم دون أن يقدم للملك، فقط كان يتنظر الوقت المناسب الذي يقدم فيه للملك لا أقل ولا أكثر، وأي كلام خارج هذا الإطار هو كلام زائد.
هل نتوقع أن تاريخنا، الذي كان مادة للصراع في السبعينيات والثمانيات، فتح اليوم أمام الباحثين للاشتغال عليه بكل حرية، وأن ما يحد من الاشتغال عليه هي عوائق ذاتية، منها الرقابة الذاتية التي تجعل المؤرخ لا يطرق كل المواضيع.
ما يمكنني قوله هو أن الشروط اختلفت وتختلف، قبل ثلاث عقود أو أربعة أو حتى قبل عقدين، الشروط التي كانت ليست هي الشروط الموجود اليوم، الآن أصبحت جميع الأطراف، سواء التي تحكم أو الباحثين، على وعي أقوى، أعرف أن هناك وعي عقلاني أكثر حضورا، الصراع تراجع، الأيديولوجيا تراجعت نسبيا، وكل هذا أخلى المكان نسبيا للبحث العلمي التاريخي الرصين، ربما هذه العوامل تشجع البحث في التاريخ وعلى طرق مواضيع لم يكن بالإمكان طرقها فيما مضى، لأنها كانت ضمن الطابوهات وضمن المحرمات، وحتى الأرشيف لم يكن في المتناول، حتى الكتابات الأولية التي يمكن الانطلاق منها كانت منعدمة، الآن هذه الأشياء تجووزت نسبيا، بل الأكثر من ذلك هناك اهتمام بالتاريخ، وهنا لابد من الإشارة إلى ما هو دولي وما هو محلي، القوى الدولية والمنظمات العالمية تطرق مواضيع أساسية، منها الحق في المعرفة وتعميم الأرشيف.. والمغرب من ضمن الدول التي استجابت لهذه الطروحات، والآن ينظم نفسه في هذا السياق، وهذا التنظيم مرتبط بشكل أو بأخر بالعدالة الانتقالية وبالديموقراطية وبحق الأخرين بالخبر وبالمعرفة وغيرها، كلها عوامل تسهل مأمورية المؤرخين في المستقبل بشكل متميز نسبيا على ما أظن.
بخلاف الاهتمام المؤسساتي بالتاريخ لا يخفى عن الملاحظ العادي الغياب الكبير للمادة التاريخية في وسائل الإعلام الرسمية، وحتى عندما يستحضر التاريخ في ذلك الإعلام يكون بشكل ظرفي ومناسباتي وحتى فلكلوري أحيانا، لمن يمكن إرجاع أمر الغياب هذا، هل تتحمل وسائل إعلامنا المسؤولية وحدها، أم أن المؤرخ مسؤول كذلك عن هذه الوضعية.
صعب أن أقول إن المسؤولية مشتركة، لأن مثل هذا الكلام العائم لا يعطي جوابا، بالنسبة لي المسؤولية متعلقة بحسابات لدى القنوات، الآن البصري هو المهم، القنوات التلفزيونية لا تولي اهتمام كبيرا للمعرفة التاريخية، وحتى عندما تكون هناك اهتمام بهذه المعرفة فهي لا تداع إلا في وقت متأخر من الليل، المعني بالأمر هو من يجب أن ينتظر، ليس هناك تفكير في تعميم المعرفة التاريخية، لأن أي قناة تريد أن تخدم موضوعا أو قضية معينة فليس بالضرورة أن تتكلم بلغة الأرقام، كم عدد المشاهدين الذين يشاهدوا هذا البرنامج؟ بالنسبة لي يمكن أن تفرض هذا البرنامج في المرة الأولى والثانية والثالثة ريثما يتعود الناس، حتى إذا كانوا فعلا لا يهتمون بهذه البرامج، لكن حتى هذه الأرقام غير موجودة لدينا، هل لديها تعليمات رسمية تدفعها إلى عدم الاهتمام بهذه الأمور أو أن القائمين عليها هذا النوع من المعرفة لا يمهم أو أن المحيطين بهم ومستشاريهم يهتمون بجوانب أخرى على حساب هذا الجانب، فليس التاريخ وحده الغائب في قنواتنا التلفزيونية، كلما هو ثقافي وكل ما هو معرفي علمي غائب عن هذه القنوات، لماذا؟ هل هي استراتيجية؟ هل ثقافة القائمين على هذه القنوات هي بهذا الشكل؟ لا أدري، ثم إن الأمر لا يتعلق فقط بالقنوات التلفزيونية بل حتى بالسنيما، فحتى المخرجين لا يهتمون بالتاريخ، مع أنه بفضل المسلسلات التلفزيونية المصرية عامة الناس يعرفون الكثير عن تاريخ مصر، والأن يعرفون الكثير عن تاريخ سوريا وعن تاريخ تركيا، ولا يعرفون شيء عن تاريخ بلدهم، لأن مسلسلات البلدان الأخرى تهتم بالتاريخ، ولو أنه اهتمام تجاري بالدرجة الأولى، لكن هناك نسبة من التاريخ، ورغم أن المؤرخين لدينا يشاهدون درجة الإقبال على تلك المسلسلات فلا تأخذهم غيرة ولا يفكرون في إنتاج مسلسلات شبيهة على الأقل، ريثما يستطيعون تجاوزها، ليعرفوا الناس بتاريخهم، بالنسبة للمخرج أو المنتج كذلك، هم أناس لا يبحثون إلا عن أعمال سريعة يمكن أن تذر عليهم ربحا سريعا وأشياء أخرى، هذه الأعمال لابد لها من حس وطني، ليس المال فقط هو المتحكم، إذا لم يكن هناك حس وطني أعتقد أن البحث عن المال وحده لن ينتج برامج وأفلام سنيمائية تاريخية في المستوى، وحتى اللقاءات التي مرت بين مجموعة من المؤرخين وبعض المخرجين أغلبها ينتهي بالفشل بعد لقاء أو لقاءين، الباحث شخص متأنٍ، يشتغل على المدى الطويل، والمخرج يبحث عن أعمال يجب أن تكون مهيأة بسرعة، وحتى إذا وقع الاتفاق الأولي يتدخل المخرج أحيانا بشكل لا عقلاني يزعج الباحث، وبالتالي جميع الاتفاقيات فشلت لحد الآن، ما زلنا لا نتوفر على المخرج الذي له حسن النية في التعامل مع التاريخ، أما الباحثين على ما أعتقد ففي المستوى، وبإمكانهم أن يسلموا مادة خام للسينمائيين تصلح أفلام بعد تحويلها إلى سيناريوهات، كما أن هناك باحثين كبار يمكن أن يكونوا ضيوفا على قنوات التلفزيون أو أن يمدوها بمادة تاريخية مهمة، على ضوئها يمكن أن تضع برامج كما يرى مسؤولوها، بالنسبة لي الغائب الأساسي هو القنوات وليس الباحث في حقل التاريخ. 
وجود باحثين تستعين بهم قنوات أجنبية، تتغدى كثيرا على تاريخ المغرب، بمخرجين وباحثين مغاربة، ولكن أيضا بحساباتها الخاصة، كما شاهدنا أخيرا مع قناة الجزيرة الوثائقية في برنامج عن بن بركة أو في غيره، كيف تنظرون إلى تهافت مثل هذه القنوات على تاريخ المغرب. 
طبعا المادة الخام موجودة وما دامت تلك القنوات تتوفر على مسؤولين يفهمون أهمية التاريخ ويرون أن بلدا ما يهمل تاريخه بهذا الشكل أو ذلك، لابد أن يوظفوا هذه المادة التاريخية حسب رؤيتهم واستراتيجيتهم، وعندما يتصلون بمؤرخين وبمخرجين مغاربة لا يمكنهم إلا أن يقبلوا بتلك العروض، لأن القنوات الوطنية التي من الواجب أن تتصل بهم لا تفعل ذلك، عادي جدا أن يحصل مثل هذا الأمر في ظل هذه الوضعية التي يوجد عليها إعلامنا. (يتبع)

الاثنين، 14 يناير 2013


-باعتباركم تدرسون في ثلاث جامعات مغربية وتعرفون أن جل المؤرخين المحترفين سيغادرون إلى التقاعد الطبيعي، كيف ترون مستويات الطلبة الباحثين ممن يمكن أن يعول عليهم لسد الخصاص مستقبلا.
--الخطأ التي وقت فيها الجامعة المغربية، وبشكل مباشر سواء الأستاذة المؤسسون أو الذين أتوا من بعدهم هو تغيب التفكير في الخلف، لم ينتبه الباحث إلى أنه سيغادر يوما إلى التقاعد، ومن التقاعد إلى القبر، وبالتالي لا يفكرون في الخلف، وبالتالي لا تجد أساتذة يؤطرون مجموعة من الباحثين الشباب ويهيئونهم، ولما لا الدفاع عنهم ليلتحقوا بالجامعة، هذا الأمر غير موجود لدينا، فجأة لما بدأ الأستاذة يقتربون من التقاعد انتبهوا للأمر، أصبح هناك نوع من التخوف من أن مغادرتهم قد تلحق بالجامعة أناس لا يحافظون على نفس المكانة التي حصلت عليها شبعة التاريخ، وللتذكير شعبة التاريخ وخاصة الصيت الذي أعطته لها كلية الآداب بالرباط، جعل المعرفة التاريخية معرفة محترمة، ينظر لها على أساس أنها معرفة جدية ورصينة، أصحابها ليسوا من النوع المتسرع، قلت انتبهوا في ظل ذلك التخوف وبدأ التفكير نسبيا في الخلف، لا أدري أين وصلت الأمور لكن على كل حال بالنسبة لي لا خوف على الجامعة لسبب بسيط، هو أن الطلبة الباحثين الموجودين حاليا وجدوا أمامهم من يوجههم، ومن يستشيرون معه، وبالتالي انطلاقتهم جاءت في درجات أعلى بكثير من الدرجات التي انطلق منها السابقون، كان الباحث في السابق "دونكشوطيا" بهذا الشكل أو ذلك، يحارب في معركة البحث طواحين الهواء، حتى الأرشيفات كانت غير متاحة وشبه غائبة وكذلك الوثائق، بل حتى الكتب، أحيانا كان لزاما على الباحث التنقل إلى مدينة أخرى من أجل الحصول على بعضها، الشروط أفضل الآن وربما ما وصله البحث التاريخي سيسهل مأمورية الباحثين الجدد، ويفتح أمامهم آفاقا لا شك أنها ستجعل مستواهم في البحث أفضل من مستوى الجيل السابق.
-ارتباطا بالباحثين القدامى تعقدون في جمعيتكم "الجمعية المغربية للبحث التاريخي" شبه موسم ثقافي كل سنة، واحدة في الرباط وأخرى في مدينة جامعية أخرى، كيف تقيمون تلك الأيام أخدا بعين الاعتبار بعض الأصوات التي تتحدث عن التفاوت الكبير في مستوى تلك الدورات، وتتحدث عن لا جدوى عقد دورات سنوية.  
--زاوية النظر إلى مثل هذه الأعمال يجب أن تكون نوعا ما ذات أفق واسع، فاللقاء السنوي متعدد الأهداف. بدأت الجمعية مع الاستاذ إبراهيم بوطالب هذا النوع من الأنشطة واللقاءات السنوية، فهي توفر للأستاذة المهتمين فرصة اللقاء سنويا، وهذا جانب إيجابي، كنا لا نعرف حتى أسماء أساتذة في جامعات أخرى، فنحن في الدار البيضاء نعرف أساتذة الرباط، أو بعض الأسماء الذين انتقلنا لجامعاتهم للمشاركة في ندوات علمية، الجمعية وفرت لنا هذا اللقاء السنوي، وهو ليس لقاء للتعارف الشخصي فقط بل تعارف في مجال البحث، تبادل الأسئلة والتعرف على مجالات اشتغال الباحثين، هذا أمر مهم من الناحية الإنسانية والمعرفية، الجمعية ليست مسؤولة بالكامل على مواضيع اللقاءات السنوية، فهي تتكلف بالتنظيم، المواضيع تختارها الجامعات الحاضنة للقاءات، وهي تقترح الموضوع  من اهتمامات باحثيها بذلك الموضوع، والأكثر من ذلك أنها أحيانا إذا لم تقترح أغلبية المشاركين فهي على الأقل تقترح جزءا مهما منهم، ثم حتى أهمية المساهمات وتوازن المواضيع مع بعضها دائما ذات أهمية، طبيعة الموضوع وطبيعة الاهتمام به وتناول المؤرخ له كلها عوامل تتداخل وتفرز نتائج  للقاء قد تعجب البعض وقد لا تعجب البعض الأخر، المهم النسبة لي أرى أن المرحلة التراكمية ضرورية، لا يمكن أن نفرز الجيد من غيره ما دمنا لم نحقق تراكما في الإنتاج المعرفي التاريخي، وهنا لابد من الإشارة إلى أن أقل الباحثين في أصناف المعرفة إنتاجا هم المؤرخون، لأنهم الأكثر تؤدة، دلو المؤرخين هو أصغر الدلاء في بئر الثقافة، الأدباء والفلاسفة والسوسيولوجيون والسياسيون وغيرهم ينشرون وبكثرة، لكن المؤرخ لا ينشر إلا قليلا، رغم أن ما نشر في المعرفة التاريخية مهم جدا، وهنا لابد من الإشارة ثانية إلى الدور الكبير الذي لعبته كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط في نشر المعرفة عامة والمعرفة التاريخية على وجه الخصوص، فداخل ما نشر في هذه الكلية مكانة التاريخ في النشر مكانة رئيسية، وفي جزء منها الكلية لعبت دورا كبيرا وحتى الباحثين في التاريخ لعبوا دورا حتى يصبح لهذه المعرفة مكانتها التي تستحق في الساحة الثقافية والمعرفية المغربية.
-بالانتقال من المستوى الداخلي لبيت البحث التاريخي إلى مستوى تعامل الدولة مع المادة التاريخية، بدأت مؤخرا العناية رسميا بالتاريخ من خلال إنشاء العديد من المؤسسات الحاضنة للبحث التاريخي، كالمعهد الملكي للبحث في تاريخ المغرب ومؤسسة أرشيف المغرب والتفكير الجاري حاليا في خلق دار تاريخ المغرب، كيف تقرؤون هذه الدينامية على مستوى المؤسسات الرسمية.
--الأمر نسبيا واضح، من جهة الكل يعي أهمية المعرفة التاريخية بالنسبة للشعوب، ولا نبالغ إن قلنا مع القائلين إن من ليس له ماضي ليس له مستقبل، وعلى كل حال التاريخ هوية وذات، ومن جهة ثانية التاريخ في أبسط تعاريفه هو الإنسان، عندما يهتم الإنسان بتاريخه فهو يهتم بذاته ويشرئب إلى المستقبل، الاهتمام بالتاريخ له أهداف، هو ليس اهتمام مجانيا، بل اهتمام نحاول من خلاله بعث وتجديد الروح فينا وأن نرى المستقبل، ومن هنا أي دولة كيفما كانت تبحث عن مستقبل أفضل لابد لها أن تهتم بالتاريخ، وطبعا لما تجد مؤرخين يساعدونها بهذا الشكل أو ذلك، أو يكونوا مستشارين لها في هذا الصنف المعرفي تصبح الأمور سالكة، وهو ما لاحظناه مؤرخا، لما يتم الحديث عن المعهد الملكي للبحث التاريخي فهناك الملك أساسا وهناك أيضا الأستاذ أحمد التوفيق وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية فالمعهد يتبع لهذه الوزارة، ولا شك أن الرجل لعب دورا أساسيا في خلق المعهد، وما دمنا نتحدث عن المعهد فلابد من القول إنه رغم كونه معهدا رسميا إلا أن إطاره العلمي شيء آخر، قد لال يتصور الآخرون درجة الاستقلالية التي يشتغل فيها المعهد ودرجة البحث المعرفي الأكاديمي الحقيقي الذي يتمتع به ، لا أحد يوجه المعهد في اتجاه معين خارج ما هو معرفي، وربما هناك عوامل كثيرة تضمن هذه الاستقلالية من بينها شخص المدير الأستاذ محمد القبلي، الباحث ذائع الصيت، وأحد المؤسسين للجمعية المغربية للبحث التاريخي وعمدة قوي في كتابة تاريخ المغرب الوسيط، والشخص على ما أعتقد لا يمكن أن يقبل بأي تدخل في الأمور المعرفية.
-إذن أنتم تنفون ما أوردته أسبوعية الأيام في عددا 545 في خبر مقتضب تتحدث فيه عن كون مسودة كتاب "تاريخ المغرب تحيين وتركيب" التي سلمت للقصر كانت أقوى من النسخة الرسمية التي أعلن عنها في 17 نونبر 2012.
--هذا كلام لا ينسحب عليه إلا بعض أقوال لينين في لحظة ما "والدين يأخذون على الصحافة أقوالها فليلغوا تاريخ مولدهم في القرن 20" لأن مثل هذا الكلام العائم الذي لا سند له يجب الاحتياط منه، الكتاب مثلما كتبه الباحثون مثلما خرج، وهذا الأمر موجود في حوارات كثيرة مع الأستاذ محمد القبلي ومع أساتذة من المعهد، ليس هناك مسودة أقوى من الكتاب، طبعا المسودة تبقى مسود، فعندما نقول إن 40 باحثا شارك في الكتاب، لا يمكن أن يكون هناك خيط ناظم بين 40 شخصا، فهيئة التحرير التي أعادت صياغة هذه الأعمال، هي التي وجدت الخيوط الناظمة بينها وهذا عملها، لكن هل تصرفت في المضمون؟ لا أعتقد، هذا الأمر غير موجود نهائيا..
-مقاطعا.. هذا أمر مفهوم أكاديميا، أنا أتحدث عندما تقدم مشروع الكتاب إلى القصر وانتظر سنوات قبل الإعلان عنه، في تلك الفترة يتحدثون عن تدخل رسمي في الكتاب.
--لا لم يتدخل أحد في الكتاب، بشكل مطلق، هذا أمر معروف لذا الجميع، أما التأخير في الإعلان عن الكتاب فلأنه كان فقط ينتظر دوره، لأن المعهد كما قلت رسمي ولا يمكن أن يصدر كتابا من هذا النوع والحجم دون أن يقدم للملك، فقط كان يتنظر الوقت المناسب الذي يقدم فيه للملك لا أقل ولا أكثر، وأي كلام خارج هذا الإطار هو كلام زائد.
-هل نتوقع أن تاريخنا، الذي كان مادة للصراع في السبعينيات والثمانيات، فتح اليوم أمام الباحثين للاشتغال عليه بكل حرية، وأن ما يحد من الاشتغال عليه هي عوائق ذاتية، منها الرقابة الذاتية التي تجعل المؤرخ لا يطرق كل المواضيع.
--ما يمكنني قوله هو أن الشروط اختلفت وتختلف، قبل ثلاث عقود أو أربعة أو حتى قبل عقدين، الشروط التي كانت ليست هي الشروط الموجود اليوم، الآن أصبحت جميع الأطراف، سواء التي تحكم أو الباحثين، على وعي أقوى، أعرف أن هناك وعي عقلاني أكثر حضورا، الصراع تراجع، الأيديولوجيا تراجعت نسبيا، وكل هذا أخلى المكان نسبيا للبحث العلمي التاريخي الرصين، ربما هذه العوامل تشجع البحث في التاريخ وعلى طرق مواضيع لم يكن بالإمكان طرقها فيما مضى، لأنها كانت ضمن الطابوهات وضمن المحرمات، وحتى الأرشيف لم يكن في المتناول، حتى الكتابات الأولية التي يمكن الانطلاق منها كانت منعدمة، الآن هذه الأشياء تجووزت نسبيا، بل الأكثر من ذلك هناك اهتمام بالتاريخ، وهنا لابد من الإشارة إلى ما هو دولي وما هو محلي، القوى الدولية والمنظمات العالمية تطرق مواضيع أساسية، منها الحق في المعرفة وتعميم الأرشيف.. والمغرب من ضمن الدول التي استجابت لهذه الطروحات، والآن ينظم نفسه في هذا السياق، وهذا التنظيم مرتبط بشكل أو بأخر بالعدالة الانتقالية وبالديموقراطية وبحق الأخرين بالخبر وبالمعرفة وغيرها، كلها عوامل تسهل مأمورية المؤرخين في المستقبل بشكل متميز نسبيا على ما أظن.
-بخلاف الاهتمام المؤسساتي بالتاريخ لا يخفى عن الملاحظ العادي الغياب الكبير للمادة التاريخية في وسائل الإعلام الرسمية، وحتى عندما يستحضر التاريخ في ذلك الإعلام يكون بشكل ظرفي ومناسباتي وحتى فلكلوري أحيانا، لمن يمكن إرجاع أمر الغياب هذا، هل تتحمل وسائل إعلامنا المسؤولية وحدها، أم أن المؤرخ مسؤول كذلك عن هذه الوضعية.
--صعب أن أقول إن المسؤولية مشتركة، لأن مثل هذا الكلام العائم لا يعطي جوابا، بالنسبة لي المسؤولية متعلقة بحسابات لدى القنوات، الآن البصري هو المهم، القنوات التلفزيونية لا تولي اهتمام كبيرا للمعرفة التاريخية، وحتى عندما تكون هناك اهتمام بهذه المعرفة فهي لا تداع إلا في وقت متأخر من الليل، المعني بالأمر هو من يجب أن ينتظر، ليس هناك تفكير في تعميم المعرفة التاريخية، لأن أي قناة تريد أن تخدم موضوعا أو قضية معينة فليس بالضرورة أن تتكلم بلغة الأرقام، كم عدد المشاهدين الذين يشاهدوا هذا البرنامج؟ بالنسبة لي يمكن أن تفرض هذا البرنامج في المرة الأولى والثانية والثالثة ريثما يتعود الناس، حتى إذا كانوا فعلا لا يهتمون بهذه البرامج، لكن حتى هذه الأرقام غير موجودة لدينا، هل لديها تعليمات رسمية تدفعها إلى عدم الاهتمام بهذه الأمور أو أن القائمين عليها هذا النوع من المعرفة لا يمهم أو أن المحيطين بهم ومستشاريهم يهتمون بجوانب أخرى على حساب هذا الجانب، فليس التاريخ وحده الغائب في قنواتنا التلفزيونية، كلما هو ثقافي وكل ما هو معرفي علمي غائب عن هذه القنوات، لماذا؟ هل هي استراتيجية؟ هل ثقافة القائمين على هذه القنوات هي بهذا الشكل؟ لا أدري، ثم إن الأمر لا يتعلق فقط بالقنوات التلفزيونية بل حتى بالسنيما، فحتى المخرجين لا يهتمون بالتاريخ، مع أنه بفضل المسلسلات التلفزيونية المصرية عامة الناس يعرفون الكثير عن تاريخ مصر، والأن يعرفون الكثير عن تاريخ سوريا وعن تاريخ تركيا، ولا يعرفون شيء عن تاريخ بلدهم، لأن مسلسلات البلدان الأخرى تهتم بالتاريخ، ولو أنه اهتمام تجاري بالدرجة الأولى، لكن هناك نسبة من التاريخ، ورغم أن المؤرخين لدينا يشاهدون درجة الإقبال على تلك المسلسلات فلا تأخذهم غيرة ولا يفكرون في إنتاج مسلسلات شبيهة على الأقل، ريثما يستطيعون تجاوزها، ليعرفوا الناس بتاريخهم، بالنسبة للمخرج أو المنتج كذلك، هم أناس لا يبحثون إلا عن أعمال سريعة يمكن أن تذر عليهم ربحا سريعا وأشياء أخرى، هذه الأعمال لابد لها من حس وطني، ليس المال فقط هو المتحكم، إذا لم يكن هناك حس وطني أعتقد أن البحث عن المال وحده لن ينتج برامج وأفلام سنيمائية تاريخية في المستوى، وحتى اللقاءات التي مرت بين مجموعة من المؤرخين وبعض المخرجين أغلبها ينتهي بالفشل بعد لقاء أو لقاءين، الباحث شخص متأنٍ، يشتغل على المدى الطويل، والمخرج يبحث عن أعمال يجب أن تكون مهيأة بسرعة، وحتى إذا وقع الاتفاق الأولي يتدخل المخرج أحيانا بشكل لا عقلاني يزعج الباحث، وبالتالي جميع الاتفاقيات فشلت لحد الآن، ما زلنا لا نتوفر على المخرج الذي له حسن النية في التعامل مع التاريخ، أما الباحثين على ما أعتقد ففي المستوى، وبإمكانهم أن يسلموا مادة خام للسينمائيين تصلح أفلام بعد تحويلها إلى سيناريوهات، كما أن هناك باحثين كبار يمكن أن يكونوا ضيوفا على قنوات التلفزيون أو أن يمدوها بمادة تاريخية مهمة، على ضوئها يمكن أن تضع برامج كما يرى مسؤولوها، بالنسبة لي الغائب الأساسي هو القنوات وليس الباحث في حقل التاريخ.     
-وجود باحثين تستعين بهم قنوات أجنبية، تتغدى كثيرا على تاريخ المغرب، بمخرجين وباحثين مغاربة، ولكن أيضا بحساباتها الخاصة، كما شاهدنا أخيرا مع قناة الجزيرة الوثائقية في برنامج عن بن بركة أو في غيره، كيف تنظرون إلى تهافت مثل هذه القنوات على تاريخ المغرب.   
--طبعا المادة الخام موجودة وما دامت تلك القنوات تتوفر على مسؤولين يفهمون أهمية التاريخ ويرون أن بلدا ما يهمل تاريخه بهذا الشكل أو ذلك، لابد أن يوظفوا هذه المادة التاريخية حسب رؤيتهم واستراتيجيتهم، وعندما يتصلون بمؤرخين وبمخرجين مغاربة لا يمكنهم إلا أن يقبلوا بتلك العروض، لأن القنوات الوطنية التي من الواجب أن تتصل بهم لا تفعل ذلك، عادي جدا أن يحصل مثل هذا الأمر في ظل هذه الوضعية التي يوجد عليها إعلامنا. (يتبع)

الأحد، 13 يناير 2013

كلما كثرت أعداد المتعلمين كلما كثرت الحاجة إلى معرفة تاريخ البلاد

حاوره: سعيد بنرحمون
خريج كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، شعبة التاريخ، مارست التدريس بالتعليم الثانوي بالدار البيضاء، ثم في كلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق التابعة لجامعة الحسن الثاني عين الشق شعبة التاريخ والحضارة حاليا، إلى جانب أنشطة موازية على رأسها الإشراف على مجلة "أمل" للثقافة والمجتمع، بالإضافة إلى أنشطة موازية متعلق بمجموعات البحث المختلفة والإشراف  على ملتقى الذاكرة والتاريخ بكلية الآداب عين الشق..



لو بدأنا الحوار بمجلة "أمل" العدد الأخير (39-40) يصادف مرور 20 سنة من عمر المجلة، باعتباركم المسؤول الأول عن التحرير في هذه التجربة العلمية الرائدة في مجالها، كيف تقيمون أدائها في ظل أصوات متخصصة تتحدث عن في المستوى العلمي المتفاوت لملفات المجلة؟
في ظل الشروط التي نشتغل فيها لا يمكن لمجلة مثل أمل إلا أن تكون متفاوتة الأهمية حسب الملفات، ثم إن هذا التقييم بالتفاوت يستند أساسا إلى اهتمامات مختلف الناس، شخص معين قد يعجبه ملف  فيحكم بأن المجلة تتعامل علميا فيمدحها، لكن عندما يصدر ملف لا يعجبه يصدر حكما سليبا، هذا لا يعني أن ملفات المجلة دائما جيدة.. لماذا؟ طبعا عندما تحدد أنك ستصدر ملفا معينا وتعطي وعدا للقارئ بقرب صدور العدد، وتعلن عن الملف في المجلة وتتصل بالباحثين قد تنتظر أكثر من سنة أو سنتين، بل هناك ملفات أعلنا عنها منذ أكثر من 5 سنوات ولحد الآن لم نتوصل فيها إلا بمساهمة أو مساهمتين، الشروط العامة غير مواتية كلية، ومن جهة أخرى التزامنا مع القارئ بخصوص الأعداد التي تصدر كل سنة، مثل أن تعلن أنك ستصدر عددين أو ثلاث أعداد في السنة، هو التزام غير سهل، وأكثر من ذلك، ولعلها من الأمور التي تجعلنا متشبثين بإصدار المجلة، أن تصادف في مرورك بالشارع العام أشخاصا وأصدقاء ومعارف يسألونك أين العدد؟ الأمر يجعلك تحس بالتزام معنوي مع الناس، فإذا كانت بعض الملفات تصدر ناقصة، نوعا ما،  فهذا أمر عادي بالنسبة لي، غير العادي هو أننا لا نتوصل بانتقادات مباشرة من طرف المهتمين، بمعنى أن ضعف المدرسة النقدية يسري حتى على مجلة أمل فالمهتمون لا يوجهون ملاحظاتهم حول ملفات المجلة.. بالنسبة لي مادام الناس صامتون فمعناه أنهم راضون على ما يصدر في المجلة، وهذا أمرا سلبي تجاه المجلة، فلو كنا نتوصل مثلا بنقد وحوار مستمرين فسنكون مضطرين وحريصين على أن تكون المجلة مستجيبة وملتزمة لرغبات المهتمين، أما أن تحافظ المجلة على خط معين أو تميز معين فربما هذه ملاحظة توجه إلى كل المنابر الثقافة التي تصدر..
تعلمون أن سوق النشر الثقافي في البلاد يعاني الكساد المزمن، قليلة هي المجلات المتخصصة عندنا، كيف تدبرون الأمور المالية للمجلة في ظل الدعم القليل وربما المنعدم للمنشورات الثقافية؟
هنا سأعود بك إلى البدايات، لما عزم مجموعة من رواد جمعية أمل الثقافية على إصدار هذا المنبر الذي يحمل نفس الأمل، وضعنا له ورقية عبارة عن "أرضية" ووزعت على العديد من المهتمين والمثقفين في سائر المغرب، أغلب المراسلات التي توصلنا بها حبذت الفكرة، لكنها تحددت كذلك عن السوق والإمكانيات، نصحنا الكثيرون بعدم الأقدام على الخطوة، هناك من قال لنا إنكم لن تستطيعون تجاوز العدد الثالث، هذا الأمر لم يكن غريبا عنا، ففي مقدمة العدد الأول قلنا إننا نفهم السوق ومشاكل النشر والطبع والتوزيع ومشكل الاستمرارية ونعرف أن عددا من المنشورات الثقافية قاوم واستمر، وعدد منها لم يتجاوز العدد الثاني أو الثالث، قلنا بالحرف "إننا قررنا أن نركب المغامرة" والأمر الذي فوجئنا به هو في صدور العدد الأول، كنا قد بدأنا العمل عليه في بداية 1992 وفي منتصفها كان جاهزا، أردنا نشره في غشت، أي في عز الصيف، نصحننا العديدون بأن الصيف ليست وقتا مناسبا للإعلان عن منبر ثقافي جديد وعلينا أن نترك الإعلان إلى بداية الموسم الدراسي المقبل، لم نسمع للنصيحة وقررنا إخراج العدد في غشت والناس في أماكن اصطيافهم، رغم ذلك فوجئنا بالموزع يتصل بنا ويهنأنا بأن العدد بيع منه رقم مهم لم يسبق لأي مجلة ثقافية أن حققته، فهمنا أن الساحة محتاجة إلى المعرفة التاريخية، مما حفزنا ودفعنا إلى التمسك أكثر بالمشروع، اتصلنا بمجموعة من الأستاذة السابقين لنا في البحث التاريخي للاستفادة من توجيهاتهم، هذه كانت البدايات المشجعة، ثم إن أمل لقيت دعما من طرف العديد من الباحثين الشباب أنداك، أولا لأنها كانت منبرهم، فالكثير ممن صاروا اليوم باحثين معروفين ومرموقين أحيانا، بداياتهم الأولى كانت في هذه المجلة، لم يكونوا ينشرون في المجلة فقط بل تعاطفوا معها وكانوا بشكل غير مباشر أداة دعاية لها وسط طلابهم وبين باحثين أخرين، والأكثر من ذلك أن العديدين من خارج حقل التاريخ أصبح لهم تعاطف معها، وهذا نلمسه أحيانا في المعرض الدولي للكتاب والنشر في رواق المجلة، فأحيانا يسألك شخص من مدينة بعيدة عن أعداد بعينها تنقص مجموعته، والأكثر من ذلك أن الأمر لم يبقى مقتصرا على المغاربة بل هناك مشارقة يزوروننا في المغرب ويسألون عن أعداد تنقص مجموعاتهم، مرة في معرض الكتاب زارني كتبي من لبنان وألح علي امتلاك العدد 12 الخاص بمحمد بن عبد الكريم الخطابي، وكان العدد نفد من السوق ألح علي إلى أن زودته بعدد فضل في مكتبتي الخاصة ففرح به وبدأ يفاخر رفاقه اللبنانيين بكونه الوحيد من بينهم من يملك المجلة كاملة الأعداد.. لم نفكر قط أن الاهتمام سيكون بهذا الحجم، مثل هذه الأمور تجعلك تصر على الاستمرار في المجلة رغم كل العراقيل.. صحيح هناك مشاكل في النشر، قد تضطر أحيانا أن تنتظر إلى أن يباع العدد لتخرج العدد المقبل، ومع ذلك إمكانية الاستمرارية موجودة لسبب بسيط، هو أن المجموعة المشتغلة والملتفة حول المجلة مجموعة جمعوية متشبعة بالفكر التطوعي، بمعنى أن المشاكل المادية التي تقع عادة بين المشرفين على أي مجلة غير مطروحة عندنا، الرقم الغائب لدينا هو الرقم المادي، لا أحد يفكر في الاستفادة من المجلة ماديا، لذلك هي قادرة على تمويل نفسها، صحيح نضحي بالوقت والجهد، ولو كان عندنا طاقم شاب أكثر دينامية لأمكن المجلة أن تحقق أرباحا. والأكثر من ذلك أنه في منتصف عمر المجلة بات لنا دعم من طرف وزارة الثقافة، من خلال تأديتها لنصف تكلفة طبع العدد، العقدة لا تربطنا مباشرة مع الوزارة، هذه الأخيرة فضلت أن تكون العقدة بينها وبين المطابع، ولو أن الأمر في لحظة من اللحظات خلف لنا متاعب مع المطابع بسبب تأخر الوزارة في تسديد المتأخرات.
لاحظنا في الآونة الأخيرة ولادة مجلات ورقية وإلكترونية تعنى بالشأن التاريخي المغربي، تحقق أرقاما محترمة في البيع، هل تزايد مثل هذه المنابر يظهر حاجة مجتمعية متزايدة للمادة التاريخية أم هو طلب تجاري فرضه السوق؟
يمكن النظر إلى الأمر من زاويتين، الأولى هي حاجة المجتمع طبعا، في أي مجتمع كلما كثر أعداد المتعلمين كثرت الحاجة إلى معرفة تاريخ البلاد، فالوعي التاريخي يتجدد باستمرار مع تزايد أعداد المتعلمين والمهتمين، حتى العلوم الإنسانية أصبحت حاجة مجتمعية، ومن هذه الحاجة وهذه العلوم يأتي علم التاريخ. التجربة بدأت مع بعض الصحف التي كانت تخصص ملفات لحدث تاريخي معين، فالإقبال الذي كانت تلقاه هذه الصحف جعلت العديد من الناس يقبلون عليها، الجانب الثاني الذي يجب الانتباه له هو تزايد عدد الباحثين في المعرفة التاريخية نسبيا، حاليا الأمر يختلف عن العقود الثلاثة الأخيرة حيت كان عددهم محدودا على روس الأصابع، وكانت الاهتمامات منصبة على جانب واحد، الأمور الآن تختلف، الجامعات المغربية وخاصة جامعة محمد الخامس بالرباط وكلية آدابها خرجت العديد من الباحثين في مجالات التاريخ، قبل ثلاث عقود أو عقدين فقط لم تكن تجد باحثا مغربيا فيما قبل التاريخ أو التاريخ القديم إلا بشق الأنفس، الآن هناك باحثين كثر فيما قبل التاريخ والتاريخ القديم تخرجوا من هذه الجامعة، تاريخ العصر الوسيط الذي كان في يد قلة من الباحثين الآن يتخصص فيه عدد لا يستهان به، نفس الأمر بالنسبة للعصر الحديث، طبعا الحديث والمعاصر كان وضعهما في تلك الفترة أفضل نسبيا من وضعية الحقب الأخرى، كثرة الباحثين نسبيا اليوم ووفر المادة التي تنشر وتناقش، فبعدد الباحثين تعدد الآراء والنقاشات، وبتعدد النقاش تتعدد المادة المعرفية التاريخية وتعرف طريقها للأخر المهتم وغير المهتم.