الاثنين، 27 فبراير 2012

احتفاء بشيخ اليساريين



بقلم: سعيد بنرحمون

خطاب الوحدة، بشكل عام، خطاب ديني حالم أو أيديلوجي شمولي،أصاب الصدئ مفاصله في وطننا العربي والمغاربي منذ مدة طويلة، نادت به حركات دينيةوأحزاب قومية في المشرق والمغرب، يمينية تارة في مناسبات معدودة، ويسارية تارةأخرى في كل المناسبات، فلم يحقق منه، لا هؤلاء ولا هؤلاء، لا القليل أو الكثير،أنفق فيه العديد من المنظرين العروبيين، والسياسيين المتسلطين على شعوبهم،والمتكلمين باسم الدين، واليساريين الجذريين منهم والمعتدلين، وحتى بعضالأمازيغين، أطنانا من الزيوت لتليين مفاصله، لعلّ دواليبه تسعفهم وتدور، فارتختمفاصل ألسنتهم دون أن تفك مفاصله قيد أنملة، فالوحدة هدف يصعب تحقيقه بإجماعالمتخصصين، لكن الاتحاد مطلب في المتناول بإرادة شباب الربيع المغربي أولا ثم العربيثانيا.
الوحدة كما يقول درس التاريخ مطلب عزيز لا يحققه فعلاسوى المرسلون أصحاب المشاريع السماوية، وما تلبث بدورها أن تزول بزوالهم، تلك سنةالحياة، وقد يحققها، قولا لا فعلا، الحكام الديكتاتوريون، فيعتقدون أنهم يتوحدونوهم في الواقع يتنافرون ويتجهون نحو الاقتتال حلما بالوحدة، وما ماضي المنطقة عناببعيد، يوم توهم جمال عبد الناصر ومعه المصريون والسوريون أنهم مطلقون مسلسلالتوحيد في الوطن العربي، فكان أن استعدى بعهم البعض إلى ما شاء الله من السنين،ومن بعده كانت هلوسات مجنون ليبيا، الراحل على كل حال، يوم كان يقيم الوحدات صبحاوينهيها بعد الزوال، وحالة الوحدة السودانية المنجزة قصرا، ونظيرتها اليمينية، تشهدعلى المآل، هذا ماضينا كما يقول المؤرخون، أما الاتحاد فهدف سياسي معقول، يحققهالديمقراطيون الحقيقيون ببعض التنازلات هناك وهناك، الاتحاد كما يعلمنا الجارالشمالي تغليبا للمصلحة العامة على المصالح الضيقة، التي تتحول بسرعة كبيرة إلىمعيقات حقيقية، المصلحة العامة التي لا تكون إلا بالتقاء المصالح الخاصة للأقطارالمغاربية مع المصحة العامة في الاتحاد، ولعل أكبر مصلحة عامة تغري بالاتحاد اليومهي البحث عن البقاء في عالم يتكتل فيه الأقوياء ليزدادوا قوة.
مناسبة هذا الكلام ما طالبت به حناجر عديدة، يملؤها الأملالكبير، أمل أحيا فيها حلما جميل، حلم الوحدة المغاربية، شخصيات من المغربوالجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، بل ومن بلاد المشرق أيضا لبت نداء الرجل الكبيرفي كل هذه الأقطار، فحضرت العرس الثاني لشيخ اليساريين في المغرب "محمد بنسعيدأيت إيدر" في الدار البيضاء، نظمت على هامش التكريم مناظرة مغاربية، اختارتشعارا معبرا أيضا "الفضاء المغاربي في ضوء الربيع العربي" وهو النشاط الذيأقامه المركز الذي يحمل اسم المحتفى به "مركز محمد بنسعيد أيت يدر للأبحاثوالدراسات" ذلك المناضل اليساري الشاب في شيخوخته، الذي تعاقبت عليه أيامودول وما بدل تبديلا، توالي الأيام عليه لا يزيده إلا قوة وشبابا وإصرارا، وما حدثيوم 13 مارس الماضي خير دليل على ما نقول، حين وقف سدا منيعا بما بقي له قوة فيوجه رجال الأمن، ففاوض بشراسة إلى أن تم إطلاق سراح الشباب أجمعين، قوة اللحظة أرجعتهسنوات إلى الوراء، أعادت له ذكريات المقاومة والمطاردة والكفاح المسلح ضمن جيشالتحرير، أفلح الفنان الساخر أحمد السنوني في تصويرها، خلال حفل التكريم، أفضلتصوير في قالب كوميدي يسخر من الجميع بما فيهم المحتفى به، حارب الرجل عدو ثمعدوين ثم ثلاث، فاقت قدرات الواحد منهم قدراتجيش التحرير أضعافا مضاعفة، وحدها العزيمة والإيمان بعدالة القضية من تجعله مؤمنابالنصر حد اليقين، بعد الحرب المباشرة عاد إلى المعارك السياسية بلا سلاح، فأثاروهو نائب برلماني قضية معتقلي تزمامارت الرهيب، سؤال قض نوم النائمين وأحيا الأملفي نفوس اليائسين، جاء المرزوقي، واحد من هؤلاء المظلومين، يقول لصاحب أشهر سؤالي شفوي في تاريخ المغربشكرا على السؤال، شكرا على بعث الأموات من بين رماد النسيان الموشك علىالانطفاء.
احتفاءً بالرجل المغاربي بامتياز، تناوب على المنصةأكاديميون وسياسيون مغاربة ومغاربيون، شرح الأكاديميون المنتمون إلى حقل التاريخ ماضيالمنطقة القريب، قلبوا أوجاع وجراحالراحلين، وذكّروا بالدماء والدموع المشتركة المبذولة ضد المحتل الفرنسي والإسباني،ومن بعده ضد حكام دول ما بعد الاستقلال،اعتقالات واختطافات وكتمان على أنفاس الشعوب، تباهى الكل بأبطال كفاحه الوطني منأجل الاستقلال، هنا استُحضر "محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومحمد الخامس،ومحمد بلحسن الوزاني، وعلال الفاسي، والمهدي بنركة، وعبد الله إبراهيم، ومحمدالبصري (...) والقائمة تطول، ومن هناك استحضر عبد الحميد مهري، ومصالي الحاج، وقاصديمرباح، القائمة تقارب المليون والنصف من الشهداء، والعهدة في القول على عاتق أصحابالثورة الحاكمين بأمرهم ولو إلى حين، ومن هنالك استحضر عبد العزيز الثعالبي، ويوسفالهمامي، وعامر العيساوي، ويوسف الرويسي، والحسينالتريكي، وأحمد نجيب برادة، ومحمد الخضر حسين ... والقائمة تطول أيضا، ومن ليبيا استحضر عمر المختار الذي كان في شعبهأمة لوحده، ومن بلاد المشرق استحضرتالأيادي البيضاء للأمير شكيب أرسلان.
بعد المؤرخين جاء الدور على السياسيون القدامى منهموالشباب، حماس هؤلاء الأخيرين كاد يدفعهمإلى التنكر لتضحيات الشيوخ الحاضرين والمجاهدين الشهداء، فمنهم من خاطب الوجدانوالمشاعر المغاربية المشتركة، ومنهم من ذكر بأوجاع الماضي بصيغة عاطفية فيهاالكثير من التأسي على الفرص الكثيرة الضائعة من طرف القادة، الراحلون والمبعدونوالفارون والمنفيون والمترددون، القليل من المتدخلين من تحدث لغة تبتعد عن التمني وتستحضرواقع الحال وأفاق المآل، وتقف على العراقيل التي تحد من حلم الوحدة أو الاتحاد،القليلون من تحدثوا لغة المصالح الاقتصادية والأرقام، المتأتية أو الضائعة، منالاتحاد.

السبت، 18 فبراير 2012

20 فبراير وقفة للتأمل



بقلم: سعيد بنرحمون


مضت سنة على أول خروج لحركة 20 فبراير في المغرب، غذا يطفأ الوكيل المغربي للربيع العربي شمعته الأولى، مياه كثيرة جرت تحت جسور الجميع، سفن كثيرة عاكستها الرياح فشكلت حركتها أو عكست اتجاهها، وسفن أخرى جرت الرياح بما يناسبها فسرعت من حركتها لدرجة جعلت ربابنتها يكادون يفقدون السيطرة عليها، ماتت مشاريع في ولادتها وولدت أخرى من موتها، أكيد أن الفاعلين في التجربة أو المتفاعلون معها يقفون اليوم لتأمل وتقييم التجربة، الكل يأخذ منها ويرد، وحدهم الباحثون الراسخون في العلم، وخاصة منهم المؤرخون، من يفضلون التريث، إيمانا منهم بنظرية المرآة في دراسة الأحداث، حيث يعتقدون أن الحدث قريبٌ جدا لدرجة يمكن أن تخدعهم في التقييم، بعيدا عن هؤلاء وهؤلاء نتساءل بفضول المتابعين، من الرابح ومن الخاسر في حراكنا المغربي؟ من خسر أكثر ومن ربح أكثر؟ ومن ظل رأسماله كما هو لم يبرح ولم يخسر؟  نكاد نجزم أن لا أحد ظل رأسماله ثابتا في حراكنا المغربي، كما نكاد نجزم أن الجميع ربح من حركة 20 فبراير أكثر مما خسر بوجودها، وحتى من خسر فمرد خسارته يعود له لا للفبرايرين.
كثر هم من لا تزال عالقة بأذهانهم ذكريات ذاك الخروج العشريني الأول في مدينته، صبيحة ذلك الأحد المبارك، يوم وقف شباب متحمس للتعبير عن نفسه وسط "ساحة الحمام" بالدار البيضاء مثلا، حين بدأت الحشود الصغيرة تلملم نفسها، وترفع الشعرات، حناجر صغيرة، وحده الحماس من يجعل صوتها أكبر منها بكثير، مكبرات صوت صغيرة بالكاد يعلو صوتها فوق صوت الجماهير، شعارات بدت لغتها مضطرة، يبذل الجميع جهدا في استساغتها، كلمات ولحنا، وفوق الجميع سماء ملبدة، وقطرات قليلة تتهاطل بين الفينة والأخرى، وكأنها تبارك تلك الحشود مثلما تبارك النساء، من شرفات البيوت، موكب عرس بماء الورد، المنظمون يجدون صعوبات في تأطير المحتشدين، فخبرت هؤلاء أحدث من تستوعب لحظة كبيرة كهذه، لكنه الحماس من يدلل العقبات، بعد الظهيرة ازدادت الحشود عددا، وعوضت شمس دافئة قطرات الماء، وخرجت من حيث لا يدري أحد، إلا المنظمون طبعا، مكبرات صوت كبيرة وسلالم يقف عليها رافعوا الشعارات، هنا أخد المشهد ينتظم، حلقية كبيرة تشبه تلك المقامة في ساحات الجامعات، في الوسط اعتلت فتاة سمراء، من لجنة الشعارات، السلم الصغير وأخذت تلهب الحشود بشعار، هو في الأصل إحدى أغاني مطرب الثوار الشيخ إمام "هما مين واحنا مين" رجال الأمن يقفون هناك بعيدا عن الحشود، مساحة كافية تجعل التجمع عرس حقيقي، أما رجال الإعلام، وخاصة منهم المصورون، فقد كان همهم توثيق جميع اللحظات بآلات تصويرهم حتى لا تنفلت، وبينهم كان أجانب لا يمكن الخطأ في تمييزهم، شباب إسبانين ، ظنوا أن حراكنا يمكن أن يلتهب ويعطي ما أعطاه في تونس أو في مصر فيكون لهم السبق، لكن ظنهم خاب، فظفروا بإثم الظن وحده.     
استمرت الوقفات كل أحد، وباستمرارها تضاعفت الأعداد، لكن فعل السلطة بقي على حاله، مراقبة وتتبع من بعيد، إلى أن جاء الثالث عشر من مارس الماضي، ذلك الأحد الأليم، خطأ اعتقد الجميع أن عرس المغاربة كلل بما يشبه الإعلان الدستوري القوي، حين ملك البلاد، يوم التاسع من الشهر نفسه، بخطاب تاريخي، صبيحة ذلك الأحد كانت هراوات المخزن في كل مكان، صراخ الشباب يشق صمت المكان، والعقلاء من الحزب الاشتراكي الموحد يهدؤون الجميع رجال سلطة وشباب خائف، من ضعف تجربته في مواجهة الهراوات كان شباب 20 فبراير يتوعد قوات الموزوني خلف قضبان مقر الحزب، بعد هذا الحدث صارت الوقفات مسيرات تجوب الشوارع، التنظيم والمناظر والحشود كانت تتحرك في شبه احتفالية كبيرة، كل يوم أحد مسيرة جديدة، وشعارات، ورسومات، ومجسمات، وتنظيم محكم، وشرذمة ممن سموا أنفسهم الشباب الملكي تستفز دون أن تنجح في مساعيها، بصمات العدل والإحسان لا ينكرها سوى جاحد، اعتزالها الحركة أشهر بعد ذلك جعلها تفقد الكثير وتتجه نحو الزوال العددي، وجعل الجماعة تختار أساليب عمل أخرى أكثر حدة.
غيرت حركة احتجاجية، شبابية الأساس، الكثير في البلاد، نقلت المملكة من طور إلى طور جديد، صار لنا حدث تاريخي فاصل، سنؤرخ به، ولو بعد حين لنقول ما قبل وما بعد 20 فبراير، أخرجت لنا دستور جديد، وبطريقة إعداد جديدة، أجلست الحزبي، والجمعوي، والأكاديمي، لأول مرة، أمام لجنة وطنية لإعداد الدستور، حررت ألسنا وأبرياء من السجون وزجت بآخرين، صالحت المواطن مع السياسة وصندوق الاقتراع بعد أن أدمن مخاصمته عقودا، والنتيجة مشاركة قياسية في الاستفتاء على الدستور وأخرى محترمة في انتخابات 25 نونبر التشريعية، وعلى أكتافها تسلق العديدون، استطاعت أن توقف حكم الإعدام الصادر ضد المصباح والمتحلقين حوله، خففت من سرعة الجرار الجنونية، والجرار في عرفنا يساق بدون رخصة سياقة، بل وعطلت له محركا أساسيا، وهو اليوم يعود إلى خردته القديمة يبحث عن قطع غيار تمكنه من مواصلة السير، قلبت الوضعية فصار من كان قاب قوسين من الحكم معارضا ومن كان في طريقه إلى الزوال حاكما، وإن لم يكن بأمره، لكنها أيضا خلقت لنا وضعيات أزمة أخرى، فبإيجادها، لما يزيد عن 4000 حاصل على شهادة الماستر، موطأ قدم في دواليب الوظيفة العمومية، ضد على توصيات صندوق النقد الدولي الداعية إلى التخفيف من ثقل كتلة الأجور، سككت الحركة على هذا الفساد الجديد، على هذا الريع الوظيفي الجديد، كان بإمكانها أن تقول لا للتوظيف بدون مبارايات تحديد الكفاءات الحقيقية، لكنها اختارت غظ الطرف، ولو اعترضت لانفض من حولها الكثيرون، على حسها ضاعف الباعة المتجولون من احتلالهم للشارع العام، وبنا فقراء الوطن وأغنياءه مساكن عشوائية بالآلاف في كل ربوع البلاد، تحتفل اليوم الحركة بعيدها الأول ضعيفة الجناح وتتقوى السلطة بخفوت الحركة فينطلق مسلسل جديد من شد الحبل بين السلطة والمواطنين، حبل يلعب على وتره الكثيرون والله وحده يعرف عواقب لعبهم ومنتهاه، فطوبا لحركة 20 فبراير التي عملت سنة كاملة وجبتنا ما يحدث عند الآخرين.                                               
 .

الثلاثاء، 14 فبراير 2012

يا نار فعلتها يوما...

بقلم: سعيد بنرحمون

يا نار كوني بردا وسلاما على المحتجين، البائسين منهم والرافدين، المحقين منهم والمخطئين، يا نار ترفقي بمن لاذا بك ملجئا من ظلم الظالمين، حرُك يا نار صار عندهم أهون من عيش الخانعين، أهون عليهم من فقد الكرامة المزمن المهين، قدّري يا نار أنهم اختاروك بعزم الأقوياء الواثقين، ولم يساقوا إلى أحضانك سوق المذنب الأثيم، ظنوا أن فعلك كفيل بتحريك قلوب الصامتين، أما ضمائر المستبدين فقد ماتت، التعذيب بك صنعتهم من غابر السنين، ظنهم يا نار خاب فلا تزيدي من مصيبة الخائبين، لم يكن ارتماؤهم في أحضانك حبا أستوطن قولبهم كما استوطن قلوب الشرقيين البائدين،  يا نار فعلتها يوما فما العيب في أن تعيدها مع ضعاف القوم اليائسين، بل هم الأقوياء بشهادة حكامنا: الفارين منهم والمتمارضين، المحترقين  منهم والفزعين، المصلحين منهم والمفسدين والصامدين بعون الآخرين إلى حين، لنا اليقين يا نار أنك لن تكوني لهم كما كنت في سالف الزمان  لأبو التوحيد إبراهيم، لا نطلب منك ذلك  لكنا نمني النفس على الأقل بأهون أضرارك، رجاؤنا يا نار أن لا تميتيهم في الحين فيكونوا من المنتحرين، اتركيهم يقاومونك، علاجا، بِعض الأيام فيحسبون عند ربهم من غير المنتحرين، وأعرضي يا نار عن قول المتفقهين، لا تعيريهم شأنا  فما همهم في الدنيا إلا دوام ظلم الظالمين، وتخويف الخائفين، يتركون الطاغوت الأكبر ويفلحون في إمطارنا بفتاوى  ويل للمصلين، أمانا يا نار فلنا في ربنا الظن السليم، نحسب حرقانا عنده من الفائزين، فهو أكبر من الظالمين وقادر على الغفران المبين.  
أما تساءلت يا نار كيف يقدم شاب في مقتبل العمر على رمي جسده في أحضان لهيبك؟ كيف ينهي، واعيا، أحلام العمل والبيت السكين؟ كيف يستبدل دفئ عروسه بسخونة ألسنتك؟ كيف يختار، موقنا، أن يستبدل حسن بشرته برمادك؟ كيف يقذف نفسه إليك وهو متأكد أنك ستعبثين بملامحه، ولن ينجح أمهر الجراحين في إعادتها، على الأقل، سيرتها الأولى؟
 يا نار ترفقي بالمحترقين، وإن رفضت الرجاء، فلا توجعين من كانت آمالهم يوما ما أكبر  وأطول من ألسنتك، إن أصررت على التغذي من جلود حرقانا ومن دمائهم فلا تنسي عروش المتكبرين، امتدي لها بوقود ضعاف الأجسام، والله إن في أجسادهم طاقة تكفيك للإجهاز عنهم أجمعين، عروشهم يا نار أهون عليك من بيت العنكبوت، أوهى البيوت، هم الأحق بفعلك الحق، حصنوا عروش قشهم يا نار بالحديد واعتقدوا أنها صارت أحصن وأمنع، تناسوا أن أقوى بناتك هي التي وقودها من دماء المظلومين، من دموع الجائعين، من حرقة المكلومين، حرقة أنفس المحبطين أقوى يا نار من لهيبك المميت، طاقتك المستمدة من جسد واحد كفتك لإحراق عروش ثلاثة أو أربعة من أكبر ديكتاتوري العرب، والبقية حتمية في التاريخ أن تتهاوى عاجلا أو آجلا.
أراك يا نار لم تعودي تتقبلين من قرابيننا آخرين، يا نار كيف تخلفين موعدك مع واحد من أحقر الجبابرة الآثمين، بدأت العمل ولم تتميه تقصيرا منك، كيف أعجزك  أن تفنيه؟ كيف تتركين له لسان سوء ينهش به أجساد الشهداء والمظلومين؟ أتيت  على الأطراف وأهملت لسان سوئه الطويل، يا نار ما همتنا يوما أطرافه وجلوده، مستشفيات العالم قد تصلحها، لكن لسانه همنا وكان أهون عليك، ثم كيف عجزت على إحراق الفرعون الصغير؟ لماذا تبقينه بيننا يتمارض علينا بتمثيلٍ إخراجه رديئ في بلد الممثلين البارعين؟ أتعجزين على إفنائه وهو مجرد مومياء فوق سرير؟ ثم كيف تسمحين لمن يعترش الدبابة فوق أجساد شعبه المسكين بأن يضل سالما من ألسنتك؟ أتحرقين ضعافنا وتبقين طويل العنق يصول ويجول، يقّتل الأطفال والنساء، وأنت تتفرجين، يا نار فعلتنها يوما فلماذا لا تعيدين.      

الأحد، 12 فبراير 2012

فصل المقال فيما بين "مول المجمر" و"مول المغرب" من اتصال

بقلم: سعيد بنرحمون


 وحيدا يقبع سيدي عبد الرحمان مول "المجمر"  فوق صخوره التي أنهكتها السنين والأمواج، فما عادت قادرة على حمل خرافات عمرها من عمر الدولة الحديثة في البلاد، وحيدا في ظلامه الدامس، برودة الطقس زادته عزلة على عزلته، المارة المهرولون صوب "مول" آخر لا علاقة له "بالمجامر" لا يكادون يلتفتون صوبه، بريق "موروكو مول" سرق ما تبقى من أضواء "مول المجمر" الشبيهة بقناديل الزمن الغابر، المسمى جميلا، صاحبات "المسمن والحريرة" يتحلقن بين كراسيهن الصغيرة والحقيرة، بألوانها الشاحبة، ولولا الحياء لتوسلن بعضا من زبنائهن القلائل تخليصهن من "زلافات الحريرة" المتبقية، وحتى أصحاب الجياد القزمية هجروا المكان باتجاه السفينة الفضائية التي نزلت على المكان بدون استئذان، هنا الكساد أصاب تجارة الجميع المتعثرة أصلا، والسبب، يقولون، موروكومول ولهفة الزوار، القليل من زبناء صاحبات "المسمن والحريرة" يجلسون لتبادل أطراف الحديث على "براريد" الشاي وبعض "المسمنات" الهرمة والمصابة بلفحات "بحر الظلمات" القارصة، يحللون ويناقشون، هندسة المكان، وغلاء أسعار السلع، والجن في المكان، وأشياء أخرى  بالقليل من العلم والكثير من الإدعاء والسداجة.
هنا تلتقي الأضداد جميعا، هنا يلتقي المغربان: النافع والضار، ولا نقول النافع وغير النافع، هنا تلتقي مدنية القرن 21  بجهالات وخرافات القرن 16، ولا نقول الأصالة والمعاصر، فلا "مول المجمر" أصالة ولا "مول المغرب" معاصرة، واحد يجعل البلاد تحتل المرتبة الخامسة دوليا في أشياء تافهة، والثاني يجعل المملكة تعيش خارج التاريخ والتصانيف، "مول المغرب" يسوق صورة إعلانية كاذبة عن البلاد، صورة البلد المتحضر حيث الرفاه الفاحش،  و"مول المجمر" يسوق صورة إعلانية معاكسة، وهي الأخرى كاذبة عن البلاد، هنا البذخ بكل أنواعه سلع تساوي أثمنتها مقدما في إحدى شقق السكن الإجتماعي الشبيهة بالقبور، الحرمان المتطاير من أعين الناس هنا ينذر بأشياء أخرى، ليس من الصعب فك شفرتها، وهناك الفقر والجهل والتخلف بكل أنواعه، لكنه لا ينذر بأي شيء، هنا رباعيات الدفع الفارهة تنفت أدخنتها على الإسفلت الملون، على مرأى من أعين رتب عليا من رجال الأمن، وهناك أحصنة البأس تلقي بمخلفاتها أينما اتفق، تطاردها والبائعات أرجل رجال القوات المساعدة من أدنى الرتب، هنا متاجر تستقبل سيدات المجتمع الفاحش الغنى، وهناك بيوت الشعودة الشبيهة بكهوف الزمن الأول تستقبل سيدات الفقر والبأس والتخلف وكذلك سيدات المجتمع الراقي، هنا فرق غنائية من الضفة الأخرى، بآلياتها العجيبة، وحيدة تعزف مقطوعاتها الباردة، وهناك متسولون ومتسولات  "ببناديرهم" العتيقة يلوثون سمعك بضجيجهم غير المنظم وكلماتهم البالية، هنا مجوهرات "كارا" وهناك "لدون" لالة "كبيرة" هنا أسماك مؤدبة زينت بمساحيق زاهية الأوان، حتى بدت كالدمى،  وهناك دجاجات سوداء ساقها حضها العاثر لتُهل لغير الله، هنا مصعد كهربائي من زجاج يقف عليه حارس أنيق، يوصل الزبائن إلى الطابق الأعلى أو الأسف، وهناك شخص بثياب رثة وأسنان صدئة يوصل من تعذر عليهن الوصول إلى القبة الخضراء عندما تحيطها مياه المحيط المكان..."مول المغرب" يريد أن ينافس "مول المجمر" حتى في مجال الشعوذة، فبات يستقطب كل مساء رجال سوس، علهم يخلصونه من بعض الجن المولع بالماركات العالمية، وقد يصبحون أصحاب محلات راقية دائمة،  تقدم خدماتها السحرية إلى علية القوم، فتكون الضربة القاضية لمول المجمر.

عندما تفتح الحدود

بقلم: سعيد بنرحمون

ليست من أولائك المولعين بالتطبيل لفتح الحدود مع الجيران في الجزائر، فأنا  لا أعطي كبير أمل لتحسن الوضع الاقتصادي في البلاد نتيجة مباشرة وحتمية لهذا الفتح المبين والمزعوم والغير المنظور في جميع  الآفاق لا القريبة منها ولا البعيدة ولا المتوسطة، لن أصدق نهائيا أن جيراننا الشرقيين يمكنهم في يوم من الأيام أن يقيموا معنا علاقات تجارية قوية على حساب علاقاتهم مع الجار القوي في الشمال "الاتحاد الأوربي" بالنسبة لي  من ثامن المستحيلات، أو تاسعها أو عاشرها (...) لا يهمني فلست من العادين، أن يسمح كبرياء جيراننا  بالإقبال على منتجاتنا البئيسة الجودة، الشماليون ليسوا مستعدين أن يتركوا لنا زبون قوي يقايض الطماطم بالبترول والأسماك بالغاز الطبيعي، وما ينتجه سطح الأرض بما يوجد عندهم في باطنها، هذا إذا سلمنا أننا حققنا اكتفائنا الذاتي وبتنا قادرين على منافسة أوربا وأمريكا والقوى الانتاجية الصاعدة في العالم.
لماذا أتحمس لفتح الحدود تلك؟ لا تعجبني الطبيعة عند الجار الشرقي، لأصبح سائحا في بلاد "أمير الجهاد" عبد القادر بن محيي الدين، ففي النهاية جبال أطلسنا المتوسط والكبير تمتد عندهم لتصبح أطلسا تليا أو صحراويا، أو أن الأخيرة تمتد عندنا أطلسا مختلف الأحجام، ورمال صحرائنا امتداد لرمال صحرائهم،  فمن طبيعة الصحاري وسكانها عدم  الاعتراف بالحدود السياسية، هضابهم هي هضابنا وكذا السهول، بل هضاب بلادي وسهولها أوسع وأجمل، رياحهم هي نفسها رياحنا، ومناخهم هو مناخنا، متوسطي وقاري وصحراوي، وإن كان مناخ بلادي ألطف قليلا، شجرة الأرز تستوطن جبالنا وجبالهم، تعاني عندنا كما تعاني عندهم، وإن كان الله حبانا بشجرة لا تنموا إلا عندنا هي شجرة الأركان، وهي تعاني عندنا أيضا، والتي لم يفلح  العديدون في استنباتها في أراضيهم، ولما نجحوا في الزرع ضلت عاقرا، وحتى وحيش برارينا نفسه وحيش براريهم، ولا أعتقد أنني سأرى جديدا في عمرانهم   لسبب بسيط هو أن المهندس والباني هو نفسه المهندس والباني عندنا وعندهم، وإن كان أطال عندهم المقام أكثر مما أقام عندنا، فإذا حللت في الجزائر العاصمة أو أي من مدنها الكبيرة فكأنك تتجول في الدار البيضاء أو في أي من مدننا الكبيرة، وقريبا جدا سيصير لهم جامعهم الأعظم كما جامعنا لكنه لن يكون على الماء كما عندنا، عندهم أمازيغيون أعرق في البلاد من العرب كما عندنا، ولهم نفس مطالب أمازغيينا، ومن  بينهم  من يود إعادتنا من حيث أتينا نحن العرب يوما ما.
التاريخ نفسه عندنا وعندهم، منذ أن وطأت قدما بشر هذه الرقعة من العالم، بقاياه التي توجد عندهم تضاهيها التي توجد عندنا، عندهم "مشتى العربي وبئر العتير" وعندنا "جبل إيغود ودار السلطان وتافوغالت" وغيرها من المواقع الأثرية، هنا كانت مماليك مورية  أمازيغية هناك أيضا، هناك بقايا مدن الاحتلال الفينيقي ثم الروماني ثم البيزنطي فالوندالي وهنا الشيء نفسه، هنا الفتح العربي الإسلامي وما بناه من عمارة وعمران وهناك أيضا، هنا منبع المرابطين وهناك تكملة دولة الموحدين، وإن كان الأشقاء يصرون على القول أن المؤسس الحقيقي للدولة الموحدية هو "عبد المومن بن علي الكومي" الجزائري وليس "المهدي بن تومرت" المغربي، وإذا تحاورنا قليلا أكيد أننا سنتفق على اقتسام الأطلال، هناك كانت الدولة العثمانية وهنا وقف القائمون لها بالمرصاد، أو هكذا قيل لنا، هناك كان الاحتلال الفرنسي وهنا أيضا، وإن أصر الإخوة هناك على اتهامنا بخذلان أمير جهادهم عبد القادر، وامتد  الاتهام من التاريخ  إلى الأدب، كما فعل واسيني الأعرج في رائعته "كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد" (عمل روائي) فسمى واحد من العلويين "بالعقون" يلوموننا وكأنا كنا قادرين حتى على حماية بلادنا وحدودها فبالأحرى ندود على حدود الآخرين، ورغم ذلك حاولنا، وناورنا، وساعدنا، وأمددنا، وفي النهاية عجزنا فأخذنا بجريرة الأمير وجيشه وبعض غير المنضبطين حتى له،  لهذه الأسباب وغيرها الكثير لا أعتقد أنني سأرى شيء جديدا عند الأشقاء.
أنا أرنو إلى فتح تلك الحدود لسبب واحد هو أني أشعر بالاختناق هنا، أريد أن أصل قرابة الدم مع امتدادي في الشرق، كم أشتاق إلى الوقوف على تمثلي عند الآخرين المشابهين لي أو المختلفين، وددت يوما لو تتاح لي الفرصة، آخذ القطار البطيء من البيضاء إلى القاهرة، نتوقف قليلا في وجدة، لا ليقال لي قف هنا ينتهي السير، بل لنُقل ركابا آخرين، فتكون محطتنا القادمة تلمسان الآسرة، فوهران الباهرة ثم الجزائر العاصمة، أرتاح يوما أو نصفه لأكمل في القطار الآتي بعده إلى تونس الثائرة، ثم طرابلس العامرة ثم أجدابيا الصامدة، فندخل بغازي الباسلة نقضي بها اليوم والليلة المقمرة نستمع فيها إلى حكايات الأشقاء مع الثورة الظافرة، ونبكر صبحا لندرك قطار القاهرة، نتناول وجبة الغداء في الإسكندرية ونزور مكتبتها الزاهرة، لنواصل السفر صوب القاهرة فندخلها مبكرين، نرافق الشمس تجلوا عن سكانها غطاء الليل وعجرفة الجبابرة، تقول مرحى أبناء الكنانة اليوم  لا حرج عليكم، سيأتي عليكم يوم تتعلمون أصول المواطنة الكاملة لتعلموها لأشقائكم في البلاد العربية شرقا وغربا وجنوبا، كما كان دأبكم في الأيام الغابرة، أجوب كل تلك البلاد باطمئنان وأضمن العودة متى شأت دون أن يقول لي أحد قف هنا تنتهي صلاحية بطاقة تعريفك القاصرة، لهذه الأسباب وددت لو تفتح تلك الحدود الميتة.