يا نار فعلتها يوما...
بقلم: سعيد بنرحمون
يا نار كوني بردا وسلاما على المحتجين، البائسين منهم والرافدين، المحقين
منهم والمخطئين، يا نار ترفقي بمن لاذا بك ملجئا من ظلم الظالمين، حرُك يا نار صار
عندهم أهون من عيش الخانعين، أهون عليهم من فقد الكرامة المزمن المهين، قدّري يا
نار أنهم اختاروك بعزم الأقوياء الواثقين، ولم يساقوا إلى أحضانك سوق المذنب
الأثيم، ظنوا أن فعلك كفيل بتحريك قلوب الصامتين، أما ضمائر المستبدين فقد ماتت، التعذيب
بك صنعتهم من غابر السنين، ظنهم يا نار خاب فلا تزيدي من مصيبة الخائبين، لم يكن ارتماؤهم
في أحضانك حبا أستوطن قولبهم كما استوطن قلوب الشرقيين البائدين، يا نار فعلتها يوما فما العيب في أن تعيدها مع ضعاف
القوم اليائسين، بل هم الأقوياء بشهادة حكامنا: الفارين منهم والمتمارضين،
المحترقين منهم والفزعين، المصلحين منهم والمفسدين
والصامدين بعون الآخرين إلى حين، لنا اليقين يا نار أنك لن تكوني لهم كما كنت في
سالف الزمان لأبو التوحيد إبراهيم، لا
نطلب منك ذلك لكنا نمني النفس على الأقل
بأهون أضرارك، رجاؤنا يا نار أن لا تميتيهم في الحين فيكونوا من المنتحرين،
اتركيهم يقاومونك، علاجا، بِعض الأيام فيحسبون عند ربهم من غير المنتحرين، وأعرضي يا
نار عن قول المتفقهين، لا تعيريهم شأنا فما
همهم في الدنيا إلا دوام ظلم الظالمين، وتخويف الخائفين، يتركون الطاغوت الأكبر
ويفلحون في إمطارنا بفتاوى ويل للمصلين، أمانا
يا نار فلنا في ربنا الظن السليم، نحسب حرقانا عنده من الفائزين، فهو أكبر من الظالمين
وقادر على الغفران المبين.
أما تساءلت يا نار كيف يقدم شاب في مقتبل العمر على رمي جسده في أحضان
لهيبك؟ كيف ينهي، واعيا، أحلام العمل والبيت السكين؟ كيف يستبدل دفئ عروسه بسخونة
ألسنتك؟ كيف يختار، موقنا، أن يستبدل حسن بشرته برمادك؟ كيف يقذف نفسه إليك وهو
متأكد أنك ستعبثين بملامحه، ولن ينجح أمهر الجراحين في إعادتها، على الأقل، سيرتها
الأولى؟
يا نار ترفقي بالمحترقين، وإن رفضت
الرجاء، فلا توجعين من كانت آمالهم يوما ما أكبر وأطول من ألسنتك، إن أصررت على التغذي من جلود حرقانا
ومن دمائهم فلا تنسي عروش المتكبرين، امتدي لها بوقود ضعاف الأجسام، والله إن في
أجسادهم طاقة تكفيك للإجهاز عنهم أجمعين، عروشهم يا نار أهون عليك من بيت
العنكبوت، أوهى البيوت، هم الأحق بفعلك الحق، حصنوا عروش قشهم يا نار بالحديد
واعتقدوا أنها صارت أحصن وأمنع، تناسوا أن أقوى بناتك هي التي وقودها من دماء
المظلومين، من دموع الجائعين، من حرقة المكلومين، حرقة أنفس المحبطين أقوى يا نار من
لهيبك المميت، طاقتك المستمدة من جسد واحد كفتك لإحراق عروش ثلاثة أو أربعة من
أكبر ديكتاتوري العرب، والبقية حتمية في التاريخ أن تتهاوى عاجلا أو آجلا.
أراك يا نار لم تعودي تتقبلين من قرابيننا آخرين، يا نار
كيف تخلفين موعدك مع واحد من أحقر الجبابرة الآثمين، بدأت العمل ولم تتميه تقصيرا
منك، كيف أعجزك أن تفنيه؟ كيف تتركين له
لسان سوء ينهش به أجساد الشهداء والمظلومين؟ أتيت على الأطراف وأهملت لسان سوئه الطويل، يا نار ما
همتنا يوما أطرافه وجلوده، مستشفيات العالم قد تصلحها، لكن لسانه همنا وكان أهون
عليك، ثم كيف عجزت على إحراق الفرعون الصغير؟ لماذا تبقينه بيننا يتمارض علينا
بتمثيلٍ إخراجه رديئ في بلد الممثلين البارعين؟ أتعجزين على إفنائه وهو مجرد
مومياء فوق سرير؟ ثم كيف تسمحين لمن يعترش الدبابة فوق أجساد شعبه المسكين بأن يضل
سالما من ألسنتك؟ أتحرقين ضعافنا وتبقين طويل العنق يصول ويجول، يقّتل الأطفال
والنساء، وأنت تتفرجين، يا نار فعلتنها يوما فلماذا لا تعيدين.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق