عندما تفتح الحدود
بقلم: سعيد بنرحمون
لماذا أتحمس لفتح الحدود تلك؟ لا تعجبني الطبيعة عند الجار الشرقي، لأصبح سائحا في بلاد "أمير الجهاد" عبد القادر بن محيي الدين، ففي النهاية جبال أطلسنا المتوسط والكبير تمتد عندهم لتصبح أطلسا تليا أو صحراويا، أو أن الأخيرة تمتد عندنا أطلسا مختلف الأحجام، ورمال صحرائنا امتداد لرمال صحرائهم، فمن طبيعة الصحاري وسكانها عدم الاعتراف بالحدود السياسية، هضابهم هي هضابنا وكذا السهول، بل هضاب بلادي وسهولها أوسع وأجمل، رياحهم هي نفسها رياحنا، ومناخهم هو مناخنا، متوسطي وقاري وصحراوي، وإن كان مناخ بلادي ألطف قليلا، شجرة الأرز تستوطن جبالنا وجبالهم، تعاني عندنا كما تعاني عندهم، وإن كان الله حبانا بشجرة لا تنموا إلا عندنا هي شجرة الأركان، وهي تعاني عندنا أيضا، والتي لم يفلح العديدون في استنباتها في أراضيهم، ولما نجحوا في الزرع ضلت عاقرا، وحتى وحيش برارينا نفسه وحيش براريهم، ولا أعتقد أنني سأرى جديدا في عمرانهم لسبب بسيط هو أن المهندس والباني هو نفسه المهندس والباني عندنا وعندهم، وإن كان أطال عندهم المقام أكثر مما أقام عندنا، فإذا حللت في الجزائر العاصمة أو أي من مدنها الكبيرة فكأنك تتجول في الدار البيضاء أو في أي من مدننا الكبيرة، وقريبا جدا سيصير لهم جامعهم الأعظم كما جامعنا لكنه لن يكون على الماء كما عندنا، عندهم أمازيغيون أعرق في البلاد من العرب كما عندنا، ولهم نفس مطالب أمازغيينا، ومن بينهم من يود إعادتنا من حيث أتينا نحن العرب يوما ما.
التاريخ نفسه عندنا وعندهم، منذ أن وطأت قدما بشر هذه الرقعة من العالم، بقاياه التي توجد عندهم تضاهيها التي توجد عندنا، عندهم "مشتى العربي وبئر العتير" وعندنا "جبل إيغود ودار السلطان وتافوغالت" وغيرها من المواقع الأثرية، هنا كانت مماليك مورية أمازيغية هناك أيضا، هناك بقايا مدن الاحتلال الفينيقي ثم الروماني ثم البيزنطي فالوندالي وهنا الشيء نفسه، هنا الفتح العربي الإسلامي وما بناه من عمارة وعمران وهناك أيضا، هنا منبع المرابطين وهناك تكملة دولة الموحدين، وإن كان الأشقاء يصرون على القول أن المؤسس الحقيقي للدولة الموحدية هو "عبد المومن بن علي الكومي" الجزائري وليس "المهدي بن تومرت" المغربي، وإذا تحاورنا قليلا أكيد أننا سنتفق على اقتسام الأطلال، هناك كانت الدولة العثمانية وهنا وقف القائمون لها بالمرصاد، أو هكذا قيل لنا، هناك كان الاحتلال الفرنسي وهنا أيضا، وإن أصر الإخوة هناك على اتهامنا بخذلان أمير جهادهم عبد القادر، وامتد الاتهام من التاريخ إلى الأدب، كما فعل واسيني الأعرج في رائعته "كتاب الأمير، مسالك أبواب الحديد" (عمل روائي) فسمى واحد من العلويين "بالعقون" يلوموننا وكأنا كنا قادرين حتى على حماية بلادنا وحدودها فبالأحرى ندود على حدود الآخرين، ورغم ذلك حاولنا، وناورنا، وساعدنا، وأمددنا، وفي النهاية عجزنا فأخذنا بجريرة الأمير وجيشه وبعض غير المنضبطين حتى له، لهذه الأسباب وغيرها الكثير لا أعتقد أنني سأرى شيء جديدا عند الأشقاء.
أنا أرنو إلى فتح تلك الحدود لسبب واحد هو أني أشعر بالاختناق هنا، أريد أن أصل قرابة الدم مع امتدادي في الشرق، كم أشتاق إلى الوقوف على تمثلي عند الآخرين المشابهين لي أو المختلفين، وددت يوما لو تتاح لي الفرصة، آخذ القطار البطيء من البيضاء إلى القاهرة، نتوقف قليلا في وجدة، لا ليقال لي قف هنا ينتهي السير، بل لنُقل ركابا آخرين، فتكون محطتنا القادمة تلمسان الآسرة، فوهران الباهرة ثم الجزائر العاصمة، أرتاح يوما أو نصفه لأكمل في القطار الآتي بعده إلى تونس الثائرة، ثم طرابلس العامرة ثم أجدابيا الصامدة، فندخل بغازي الباسلة نقضي بها اليوم والليلة المقمرة نستمع فيها إلى حكايات الأشقاء مع الثورة الظافرة، ونبكر صبحا لندرك قطار القاهرة، نتناول وجبة الغداء في الإسكندرية ونزور مكتبتها الزاهرة، لنواصل السفر صوب القاهرة فندخلها مبكرين، نرافق الشمس تجلوا عن سكانها غطاء الليل وعجرفة الجبابرة، تقول مرحى أبناء الكنانة اليوم لا حرج عليكم، سيأتي عليكم يوم تتعلمون أصول المواطنة الكاملة لتعلموها لأشقائكم في البلاد العربية شرقا وغربا وجنوبا، كما كان دأبكم في الأيام الغابرة، أجوب كل تلك البلاد باطمئنان وأضمن العودة متى شأت دون أن يقول لي أحد قف هنا تنتهي صلاحية بطاقة تعريفك القاصرة، لهذه الأسباب وددت لو تفتح تلك الحدود الميتة.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق