بقلم: سعيد بنرحمون
حدث في مثل هذه الأمسية (أمسية يوم الأحد
طبعا) في حياة العديد منا، أيام الطفولة وبعدها بقليل، أيام كنا تحت مسؤولية الآخرين
في كل شيء، مساء يوم الأحد المشؤوم الذي يليه مباشرة صباح الاثنين الأشئم، من منا
لا يتذكر تلك الأمسية العصيبة؟ من منا لم ينزل فيضان من الدموع الحارقة حينها، ولم
يصدر الكثير من الصراخ؟ ولأسباب، حين نتذكرها اليوم، لا نشعر إلا بالحنين والسرور،
كم كانت لحظات عصيبة علينا ساعتها، حين كانت أمك تتفن في "فركك" إعدادا
لك ليوم الاثنين المقدس، هذا إذا ما حال حائل بين الأب والتكفل بالمهمة في الحمام
العمومي، وهي حكاية أخرى لا تقل غرابة عن هذه، من منا لم تكن أمه تضعه بين أرجلها
القويتين، بارك الله في المتبقي من صحتهن أجمعين طبعا، والواحد منا يصرخ مثل فرخ
الدجاج الضعيف، تكاد روحك تخرج من توها، وهي لا تبالي بتوسلاتك المتتالية، والأم
في حقيقة الأمر لم تكن سوى تغسل شعرك مما علق به أو أوحال ملاعب كرة القدم
الترابية، وتحاول من تجعل منك إنسانا يشبه البقية، لا لم يكن الأمر يقتصر على التنظيف فقط، لقد كان
عذابا حقيقيا، وإلا ما علاقة تمشيط الشعر بتلك المشط القاسية بالأذنين أو الخدين؟
ألم تكن أمهاتنا يتجاوزن غسل الشعر إلى الأدنين والخدين تمشيطا وفركا، والواحد منا
بين أرجلهن يعاني، وسطل الماء يكاد يلامس وجهه، ومفعول "دوب" ذلك "الشمبوان"
القوي يكاد يطفئ نور الأعين إحراقا، وضيق التنفس
يكاد يزهق روحه، والبكاء الذي تحول إلى شبه شهيق يصك الآذان، تليه مباشرة صفعات قوية
تسخن القفى، ونهر قوي أن "اصمت أيها الكلب المتسخ أتريد أن تظل هكذا"
وكلمات أخرى أكيد أنها الآن تترد في آذان البعض منكم، بعد مسلسل عذاب غسل الشعر،
تأتي مرحلة تغيير الملابس، وهي الأخرى لا تقل إيلاما لأطفال صغار يبالغون في إظهار
الألم، حقيقة كان أم كذب، وأمهات يجدن فك رموز شفرة أبنائهم المخادعة، غالبا ما
كانت فتحة "التِرِكُوَات" ضيقة أمام رؤوس عشوائية الشكل، ألم تكن
أمهاتنا تولج رؤوسنا فيها بكل قسوة ولا مبالاة؟ حتى تكاد الآذان والأنوف تفقد
مكانها من شدة الجدب؟ أكان العيب في ضيق فتحات "التِرِكُوَات" أم في شكل
رؤوسنا أو في تموضع أذاننا وأنوفنا أم كان في الأمهات؟ الجواب عندكم.. تنتهي عملية
الغسل والإلباس بعينين متورمتين وقفى ساخنة من فعل الصفعات ووابل من الشتائم،
اللطيفة طبعا فتلك أمهاتنا على كل حال، لكنها تنتهي أيضا بشعر جميل ونظيف وملابس
تناسب الاثنين المقدسة، وشبه خصام بين الأم والأب بسبب طفل يريد أن يظل عفنا، من
حينها وأنها أكره يوم الاثنين، خصوصا وأنه كان يصادف استظهار لمحفوظات أو قرآن أو
جدل للضرب أو نص بالفرسية أو درس الصرف والتحويل البغيض حينها...
(أبقى الله أمهاتنا بموفور الصحة وقدرنا على
رد بعض من جميلهن علينا ورحم المتوفيات منهن وألهم أبنائهم الصبر)