السبت، 24 نوفمبر 2012

أمسية غريبة

سعيد بنرحمون
أمسيتي اليوم كانت عجيبة غريبة، بدأتها بندوة لشيخين سلفين محترمين، محمد الفزازي وعبد الوهاب رفيقي المشهور بأبو حفص، وباحثين محترمين، كان اللقاء علميا تنويريا شرح فيه الباحثان والشيخان كل ما يتعلق بالقضية السلفية في المغرب، كان الجميع يحاكم الشيخين بطريقة أو بأخرى عن اختياراتهما، وكانا الشيخان يبرران ويشرحان ويستفيضان.. صاح الفيزازي "هذا مغربنا ويجب أن نحافظ عليه، لما يطلب منا أن نقوم بالمراجعة وغيرنا من اليساريين حمل أفكارا أكثر جدرية من أفكارنا يوما ما ولم يطالبه أحد بمراجعة أفكاره" المهم كانا التواصل وكانت تمغرابيت في كل شيء، رغم أننا كنا محشورين في غرفة صغيرة بعد أن منع اللقاء في الفندق، فكان بعضنا يتخطى رقاب البعض من شدة الزحام، بعدها حضرت عرضا للأزياء في فندق فخم جدا، غاب التواصل وحضرت أشياء أخرى، مغاربة من نوع آخر، الوجوه تلمع من أثر النعم وبعض مساحيق تجميل علية القوم، الأجساد لا تلبس من الأثواب إلا ما قل ودل وقد لا يدل أصلا، فدلالة اللباس نسبية تختلف من مغاربة إلى آخرين، هنا دلالتها أكثر من نسبية، هناك كان الشيخان يلتزمان التقصير وهنا السيدات يلتزمن "التقزيب" في الأثواب، هناك في ندوة السلفية سأل أحد الحاضرون الشيخين عن تقليد سلفيِّ المغرب لسلفيِّ المشرق في اللباس، وهنا في الفندق لا أحد يسأل الأخرين عن تقليدهم للغرب في اللباس أو بالأحرى العري، حتى عرض الأزياء كان يحاول تحريف القفطان المغربي عن سيرته الأولى، ولأني لم أجد ذاتي في هذا الجو الغريب فقد غادرت قبل نهاية العرض، غادرت والموائد تعد بما لد وطاب من أصناف المشروبات والحلويات، أوجه الغرابة لم تنتهي بعد، في سيارة الأجرة كنا ستة أجساد مكدسة فوق بعضها، وروائح الخمر الرخيص تتطاير من الأفواه  الهرمة المهدمة "ما بقا لبوهم غير الخمر زعمة سالاو كل شي "  ساعة حقيقية من الجحيم، قلت بعدها لقد انتهت رحلتي الغريبة، وصلت الحي الشعبي الذي أسكنه، والذي صار وحشيا بما تحمل الكلمة من معنى، الليلة عاشوراء، في كل زقاق إطار سيارات تحرق وشباب يتحلقون حولها مثل تحلق البدائيين حول صيدهم يشوى، كم هائل من الشتائم والتقافز حول النار والموسيقى العفنة الصاخبة والرقص السمج والعراك هنا هناك وقنابل صغيرة تفرقع في كل مكان، وحدهم رجال الأمن من يختفون عن المشهد، وكأننا نعيش في بلد خارج القانون، والمشكل أن الأمن لو أراد أن يقوم بدروه في هذه الأمسية الغريبة لما كفت سجون المملكة السعيدة كل المساطيل، من هذه الأمسية الغريبة خرجت بخلاصتين، الأولى أن ممارسة الصحافة يوم السبت أمر مليء بالتناقضات الصارخة، والثانية أن العيش مع هؤلاء "الناس" أمر مستحيل...

الجمعة، 23 نوفمبر 2012

الصمت حكمة

سعيد بنرحمون
قالو الصمت حكمة ومنه تفرقت الحكم، وقد يكون جبن ومنه يولد ويتفرق الظلم، وقد يكون مجرد فراغ وفقدان شهية الكلام...

أحيانا يصير القلم بين أصابعنا أثقل من صخرة سيزيف، ويصير الضغط على أحرف لوحة الكتابة مثل الضغط على الجمر بالأنامل، ما أبشع النفس حين تضرب عن الخيال، حين يثقل عليها الواقع بمشكلاته، حين يقنعها أنها إشكاليات، أحيانا نشتاق للحظة حزن صادقة تلهم فينا  فكرة من القلب، أعتقد أن الحزن أبو الأفكار، والفرح أبو النجاحات، اللاحزن واللافرح هو الموت الأكيد.

الاثنين، 5 نوفمبر 2012

جدران بلادي وجدران الفايسبوك

في بلادي كل الجدران آيلة للسقوط، كل المدن عشوائية البناء، ليلة ماطرة بغزارة، أو زلزال صغير، لا قدر الله، يمكنه أن يأتي على كل الحيطان، أو الحيتان كما يسميها المراكشيون، وحدها حيطان الفايسبوك من يمكنها الصمود، الحمد لله أن إقامة حائط على الفايسبوك لا يتطلب رخصة من جماعة الأميين، أو رشوة لقائد أو مقدم الحي، كم من ساكن "براكة" يتوفر أبناءه على جدران عديدة على الفايسبوك، وهو لا يتوفر على حائط حقيقي واحد في الواقع، لو أقام سكان "البراريك" والعشوائيات أربعة حسابات فيسبوكية لصار لهم أربعة جدران افتراضية تقيهم برد الشتاء القادم، لكن الخوف كل الخوف أن تطالب الحكومة بضريبة على الجدران الوهية، وأخرى على الجدران الفارغة، بعد أن فشل الحاج نبيل، ومعه الحكومة الصحافية فقط، في فرض ضريبة على الشقق الفارغة..

أو قد يشترك عدة أشخاص في إقامة غرفة واحدة من حيطان بملكية مشتركة، لأن الجدران الفيسبوكية ستصبح غالية الثمن، بعد أن يكتشف السماسرة حيلة الفقراء هذه، وقد يتطور الأمر ليصبح لنا مضاربون عقارين في الجدران الفايسبوكية، وجدران يوقفها أصحابها على ذريتهم، لتنشأ الحكومة وزارة للأوقاف الفايسبوكية، ويقع التلاعب في تفويتها للمحظوظين من المنعشين الفيسبوكيين، وقد نطور الفكرة ونقترحها على أخوتنا الفلسطينيين في مؤتمر فيسبوكي خاص، ليكفوا عن تعكير صفو  الصهاينة فيما يخص المستوطنات.

السبت، 3 نوفمبر 2012

في محطة القطار الحزينة

بقلم سعيد بنرحمون  

وحيدا جلس يرقب الحياة تمضي أمامه مسرعة، ساعته الكبيرة في معصمه النحيف شبه متوقفة، عقاربها شاخت قبل الأوان، كلما التقى اثنان منها، أثناء الدوران، قررا التوقف عن تشخيص تلك المسرحية السخيفة، وتساءلا بكمد، ما جدوى دوراننا والمعني بالأمر ما عاد يكلف نفسه مجرد النظر إلينا ندور؟ وحده رفيقهما الثالث والأصغر ما يزال يصر على مواصلة الحياة صعودا ونزولا، ربما ينتظر أن يكبر مثلهم، ثم يقرر، فعندنا القرار أصعب من العمل، اتخاذه لا يتم إلا باستشارة السماء، وربما يعمل مواساة لصاحب الساعة في تحمله للحياة الثقيلة، في ذلك اليوم قرر أن يمضي صباحه في محطة القطار، ركب واحدا منها مبكرا جدا، حتى قبل أن تصحو الأجواء، قرر النزول في واحدة من المحطات الشبه مهجورات، ووحيدا نزل كما صعد، في المحطة التي قررها للنزول الكل يصعد والمجنون مثله من ينزل في هذا الجو البارد، كان يرقب القطار يواصل سيره المتكاسل بحنان كبير، القاطرة ما عدت قادرة على الجر، تاريخ صنعها يشي بالهرم، لكل هيهات أن يدعها أصحابنا تستريح، أن تعيش ما تبقى من حياتها بعيدا عن حرارة القضبان الحديدة ولسعات الفرامل القوية، لتنعم بالتقاعد المستحق يجب عليها أن تتسب في هلاك المئات وربما الألاف...

 ارتمى متهالكا على مقعد خشبي تبدو عليها أثار العقود من السنين، صيفا وشتاء، خمّن مسرعا أنه من الحسنات الكبيرة لجالب التحديث للبلاد، طرق فكره بشكل خاطفا سؤال كبير، ماذا لو لم نعش الحماية؟ ماذا لو استمر الأخرون في الاعتقاد أننا أقوياء وتركونا لحالنا على حالنا؟ أطلق ضحكة خفيفة مليئة بالتهكم، أقوياء؟ ونترك لحالنا يا سلام؟ مسرعا لعن شيطان التاريخ الرجيم، وعاد إلى واقعه في المحطة الباردة، أجال بصره يمينا وشمالا وإلى الأعلى أما الأسفل فقرر أن لا ينظر فيه، ما يزال في الأجواء بعض الظلام، بالكاد تتسلل أولى خيوط الضوء لتجعل الأفق رمادي اللون، أشعره المكان بالألفة وهو الذي بالكاد كان يرمقه من نافدة القطار، حين أشعل سيجارته شعر بالدفن يتسرب إلى داخله، أجبر أصابعه والساعة على مغادرة دفن جيوب معطفه الثقيل، وحين شعر بلفحات البرد تتسلل عبر أنامله ناوب يمناه ويسراه على حمل السيجارة إلى فمه، الأفكار والأحاسيس كانت تتزاحم في قلبه وعقله، كلها تريد أن تخرج في نفس الوقت ودفعة واحدة، لم يكترث للأمر، فظل الجميع عالقا بداخله، ربما كان ينتظر مجيئ الشمس، واتضاح معالم المكان، والأهم صحو الناس وانطلاقهم في المكان...

يتبع