السبت، 21 أبريل 2012

دفاتر التحملات..الشجرة التي تخفي الغابة

في زمن العجب، المسؤول المعين يواجه الوزير المنتخب بكل شراسة، الموظف الإداري المعين يواجه  الوزير المنتخب ديمقراطيا، مصطفى الخلفي وزير الإعلام الناطق الرسمي لاسم الحكومة يتعرض لقصف مستمر ومنظم  من مسؤولي "دوزيم" المعينين تباعا ثم من رئيس قطب الإعلام العمومي، ضدا على منطق وقانون الأشياء، جميع هؤلاء المسؤولين يتضرعون بمبررات أهوى من بيت العنكبوت من قبيل  المهنية والإمكانيات المالية والهوية، والمشكل أعمق وأعقد من كل ذلك، فالإمكانيات يمكن إيجادها وهوية المغاربة يضمنها الدستور، لكن  الحقيقة هي أننا لا نشبه بعضنا في هذا البلد المسكين، وهناك من يفرض علينا منطق الوصاية، الهوية التي نفهما ونعيشها يوميا لا علاقة لها بالهوية التي يدافع عنها السادة المدراء، هناك هوية الأغلبية وهناك أغلبية أقلية لا علاقة لها بنا، والمشكل هو أن هذه الأقلية تريد أن تفرض على الأغلبية رؤيتها وخياراتها للمجتمع وهويتها، كان النقاش سيكون مفيدا وباعتا على مزيد من الديمقراطية لو أنه كان من سياسيين متمايزين على مستوى الخيارات المجتمعية لكن المشكل هو أن السياسيين يتخفون وراء تقيين لتمرير خياراتهم لنا، والنتيجة  هي أننا نزداد يقينا يوما بعض يوم أن تصويتنا في الانتخابات لا يصنع أغلبية وأقلية ولا يساهم في رسم خيارات وهوية المجتمع، تلك الخيارات الكبرى للمجتمع محسوما فيها سلفا صعد إلى السلطة يميني  أو يساري أو من لا لون له، فهي  تتخذ رغما عن منطق الشعب، نصيحتي للخلفي أن يستقيل إذا لم يستطع حتى أن يمرر دفتر تحملات القنوات التي من المفروض أنها عمومية، تنفد ما ترسمه لها الحكومة المنتخبة، أرجو أن لا يقبل السيد الخلفي أن يكون وزيرا صوريا مهمته عقد اللقاء الصحفي الذي يعقب المجلس الحكومي وتوزيع البطائق على الصحافيين وأشياء أتفه..

الأربعاء، 11 أبريل 2012

المغرب أتعس بلد في العالم

بقلم: سعيد بنرحمون
فضح تقرير الأمم المتحدة لقياس نسبة السعادة في العالم الذي صنف المغرب في الرتبة 115 عالميا عن فشل كل سنوات سياسات "قول العام زين" وكل ذلك "التفرنيس" المزيف أو اللحظي في أحسن الأحوال، الذي يبدوا من خلال كل مهرجانات البلاد، من مهرجان الطرب "الوحشي" في العديد من قرى المملكة، المسماة مدنا، إلى مهرجان الموسيقى الروحية ومهرجان "موازين"  وأسبوع "سراق الزيت" وغيرها من المناسبات الاحتفالية المختلفة حتى صار لكل مدينة وقرية ومدشر وحيوان ونبات وجماد مهرجاناتها الخاصة، كما أبان هذه الترتيب الفاضح عن فشل سياسة "غرّق الظبرة في ظهر المتعوس" من خلال كل سهرات نهاية الأسبوع في القنوات العمومية.
ماذا كان يعتقد مسؤولونا حتى يتفاجؤوا بهذا التصنيف الكارثي والحقيقي عل كل حال، هل اعتقدوا أن الكذبة المضحكة المبكية التي أطلقتها السيدة "فتحية بنيس" المديرة السابقة للمكتب الوطني للسياحة ستنطلي على معدي التقرير، وهل انطلت على المغاربة حتى تنطلي على غيرهم؟ المغرب أجمل بلد في العالم!! وهل كان على الباحثين من معهد الأرض التابع لجامعة كولومبيا الأمريكية المكلف بإعداد التقرير، أن يفتتنوا بقفشات السيد بن كيران رئيس حكومتنا، السعيد جدا بمكالمات ملك البلاد له؟ أم كان عليهم أن يقيسوا سعادتنا بالابتسامة الدائمة للسيدة ياسمينة بادوا وزيرة الصحة السابقة التي كادت "تموت بالضحك" من معانات سكان إحدى مداشر الزمن المغربي الغابر مع حشرة غريبة الاسم تعود ربما للعصر الوسيط، ربما كان الأجدر بهم أن يتابعوا برنامج "كوميديا" ليروا السعادة المغربية الحقيقة والطافحة على محيى الحضور وخاصة على تغر "رشيد الإدريسي" وهو "يتعصر" ضحكا، واضح جدا أنه غير حقيقي، وحتى عندما أتينا لنرفه على الناس قليلا قتلنا منهم 11 بريئا جاؤوا فقط ليشاهدوا نجمهم المفضل "عبد العزيز الستاتي" في إحدى دورات موازينهم، ولا أحد تمت محاسبته على تلك الجريمة المكتملة الأركان.
بالله عليكم كيف تتسلل السعادة إلى  قلب مواطن أنذرته مصالح محاربة السكن الغير اللائق بهدم كوخه، بعد أن دفع في بنائه كل ما يملك ما لا يملك، أقامه عندما كان الشباب الفبرايري يخيف الدولة، وعندما كان القايد والمقدم وما في شاكلتهما يستغلون ضعف الدولة ليغمضوا الأعين، وهو اليوم أول ضحايا استعادة الدولة لهيبتها، كيف يكون شعور هذا المواطن  وهو يرى من فاوضه بالأمس على ثمن رشوة إغماض العين على البناء يعود اليوم ويهدم بيته.
وكعادتها انبرت العديد من وسائل إعلامنا، أو إعدامنا لا فرق بين الاثنين في حالتنا، لتهاجم معدي التقرير وتتهمهم بالترف المعرفي والغياب الكلي للموضوعية والاقتصار على النصف الفارغة من الكأس، مفسحة المجال أمام المندوبية السامية للتخطيط لتتمكن من إعداد مرافعاتها العنترية ضد معدي التقرير، كما فعلت بالأمس القريب مع تقرير التنمية البشرية.
يعتمد معدو  التقرير على معايير علمية واضحة في تصنيف الدول على سلم السعادة الأممي، ومن بين هذه المعايير هناك الحرية السياسية التي ينعم الناس داخل الدولة، وقوة العلاقات الأسرية والروابط الاجتماعية بين مكوناتها، ونسبة الفساد ومستوى الصحة العقلية والجسدية لدى المواطنين كما يعتمدون عل استقراء مدى الاستقرار الوظيفي والأسري لدى الناس وغيرها من معايير، هي معايير علمية دقيقة وموضوعية ولا مجال لدحضها، لكن خبراء مندوبية الحليمي  قادرون على إيجاد ثغرات التقرير الأممي كما فعل عادل إمام في فيلم "طيور الظلام".
فالنسبة للحريات السياسية الجميع يعلم إلى أين وصلت بنا الحرية السياسية في بلد الاستثناء العربي، فقد قادنا حراكنا المزيف إلى إخراج وثيقة دستورية تشبه قصائد المعلقات السبع، يحتاج دارسوها والمحللون والخصوم السياسيون إلى أبو العتاهية ليفك لهم رموزها ويأولها التأويل الديمقراطي السليم، هذا إذا كان يعرف مبادئ الديمقراطية أصلا، وفي عز الربيع العربي يقبع صحافي في السجن ولم تفلح كل تلك المناشدات الداخلية الخارجية في إطلاق سراحه، أما عن قوة العلاقات الأسرية في مجتمعنا فاسألوا "نسيمة الحر" تخبركم اليقين، كيف تفيض أعين أبناء العائلة الواحدة، وأحيانا الأسرة الواحدة، دمعا من ظلم ذوي القربى، الذي قاله عن الشاعر أنه أشد مرارة من وقع الحسام المهند، وعن مستوى الفساد فمن بنيويته أن باتت لوائحه تتطلب سنواتٍ لإعدادها، كما قال نبيل بن عبد الله وزير قطاع من أقوى قطاعات الفساد في البلاد، وعن قوة العلاقات الأسرية فيسأل فقيه الزمان الفذ، فمن فرط متانة تلك العلاقات أن أفتى عبد الباري الزمزي بلا قابليتها للزوال في المغرب، حتى مع الموت الذي ينهي كل العلاقات مهما نبُلت، فقيهما الذي لم تلد ولادة ولا جاد للزمان بمثله كثيرا، مجدد دين الأمة، يرى أن من حق الرجل مضاجعة زوجته حتى بعد أن يكون الموت قد أنهى ذلك الرباط المتين، وفيما يخص مستوى الصحة العقلية فتلك الطامة الكبرى، فما ابتليت أمة بمعضلة أشد من أن تصاب في شبابها بكل تلك الآفات من المخدرات، بلادنا بحمد الله ماركة مسجلة في الحشيش بشهادة الأصدقاء قبل الأعداء، لكن ما يروج منه عند أهله رديء ومغشوش ويصيب بالجنون وجوبا، حتى انطبق علينا المثل المغربي الخالد "جزار ومعشي باللفت" ناهيك عن حبوب الهلوسة، المنتشرة بين الشباب كما ينتشر الذباب في فصل الصيف، بالإضافة إلى المحذرات القوية، أما الاستقرار الوظيفي فعلى الرغم من أن لأثريائنا مكانة بين الكبار في تصانيف "الفوربس"  فالجميع يعرف أن لا أمان في القطاع الخاص وظيفيا، تعتقد الباطرونا أنها تمن على أبناء الشعب بتلك الوظائف الأقرب إلى رقوق عبودية منها إلى وظائف تحمي أدمية البشر.
أليس هذه حالنا يا ناس بكل أسف، أم أن التقارير الأممية لا يحلوا لها سوى تصنيفنا عالميا بعد المرتبة المائة بعشرة أو عشرين نقطة، فمنذ عقود من يغادر بلدنا 'أجمل بلد في الدنيا" المرتبة 126 في سلم التنمية البشرية واليوم يحتل المرتبة 115 في سلم السعادة العالمي، وغذا لا أحد يعلم في أي تقرير نصنف في المرتبة ما قبل الأخيرة أو الأخيرة..  

الاثنين، 9 أبريل 2012

الذي كان وما يزال هو الضرر فقط 4/4


بقلم: سعيد بنرحمون
.من اليمين إلى اليسار:سعيد بنرحمون، وخليل السالك الوراق، وفؤاد الفلوس،
 وعبد الرحيم الطاهري ومحمد الرحوي
وأخيرا تنتهي رحلة الاسترجاع المر، ويستعيد الرحوي بعضا من أنفاسه المفقودة، ينتهي عذاب التجول في رحاب الذاكرة، بعد التجول بين  ردهات هذا البناء الجميل، الرحوي كان يقبل بكل أريحية مرافقنا بين جنباته، الرجل متصالح مع المكان، جدرانه التي تذكره بالمر تقول إنه كان هناك في زمن مضى، لكنه لم ينقضي، عاش بعض من سنواته عمره خلف النسيان، خلف الأسوار العالية فقد بعضا من أعزائه، مثل والده، ولم يحظر جنازتهم، وفي النهاية يقال إن ضرره والمجموعة  جبر ببعض الدراهم، مهما كثرت فلن تستطيع أن تطفئ لحظة واحدة من لحظات أساهم وفرص الحياة الضائعة عليهم، اليوم الرحوي عاطل على  العمل، يقارب العقد الخامس من عمره، صلابته وحدها من تعينه على تحمل الحياة القاسية..
بعد مغادرة  هذا الموت، بواحدة من لفتات القدر الرحيم، وبالكثير من نضالات أبناء البلد الصادقين، ولو إلى حين، عاد المجموعة إلى الناس، إلى الحياة، بكل ما وشم الاعتقال به أجسامهم، وأرواحهم، ومستقبلهم، من أوشام محال أن تنمحي مع الأيام، حصل الرحوي على الإجازة في القانون باللغة الفرنسية، وعمل بعض الوقت بجريدة وطنية حزبية، سرعان ما استغنت عنه فيمن قذفت بهم إلى المجهول الحياتي لأسباب مالية ربما، وربما لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون في المكر بهذه البلد المسكين، بدون أي تأهيل نفسي عاد إلى الحياة، عاد إلى الناس وعلى مضض استطاع أن يجد له مكان بينهم، هو والمجموعة يرفضون مناقشة التعويض المادي الذي حصلوا عليه من هيئة الإنصاف والمصالحة، التابعة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أنذاك، بالنسبة لهم الهيئة لم تنصفهم ولم تجبر ضررهم بعد، قالها لنا بين جدران المعتقل الرهيب "الذي يوجد اليوم، كما الأمس، هو الضرر فقط.." المبالغ المالية التي حصوا عليها تتراوح بين الهزيل والأهزل، لم نسأله، ولم يجبنا، عن حجم الدراهم التي حصل عليها، فواقع الحال أبلغ من كل سؤال ومن كل جواب ..
ونجح عبد الناصر بنو هاشم في رسم مسار مهني ناجح بعيدا عن أموال جبر ضرره، حصل على الإجازة في الاقتصاد، وبعد بعض التجارب في الصحافة المكتوبة انتقل إلى العمل في القناة الثانية، حيث وصل به طموحه وتفانيه في العمل إلى الوصول إلى درجة رئيس تحرير، قبل أن يجد نفسه في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بدرجة مسؤولية إدارية محترمة، بالنسبة له جبر ضرره كان ذاتيا وبمساعدة من الأصدقاء والعائلة، أما أموال الدولة فقد جاءت في فترة لاحقة على كل تلك النجاحات، وكانت حلا نسبيا لبعض المشاكل المادية أساسا، على حد قوله، أما بقية  أعضاء المجموعة فكل فعلت به الحياة ما أرادت، وكلهم يعاني من مخلفات الاعتقال وتبعاته على حياتهم الحالية، وقريبا جدا ستتضاعف مآسيهم بمشكل التقاعد من أعمالهم، الدولة لا تريد أن تسوي مشاكلهم مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.. والأدهى أن هؤلاء المكلومين في الماضي والحاضر والمستقبل يستدعون أحيانا ليشرحوا للوفوض الأجنبية المسيرة الناجحة للدولة المغربية في جبر الضرر.
عندما كنا نصور ذلك التحقيق عن معاناة  أعضاء مجموعة بنو هاشم في معتقل أكز([1]) تقاطر علينا بعض من سكان جوار المعتقل، الكل يريد أن يتحدث معنا عن معاناة الساكنة مع هذا المعتقل، هذا يتحدث عن فترة صباه وكيف حرم حتى من حقه الطبيعي في اللعب بالقرب من الفضاء، وذلك يفصل القول في الظروف التي أحاطت باعتقال المجموعة وانعكاسها على الساكنة، يقول أحدهم "كنا نعيش حالة طوارئ حقيقة، بعد السادسة مساء يمنع التجول، وحتى أضواء المنازل لم يكن مسموحا بأن تضاء ليلا، ناهيك عن الحراسة بالتناوب، كان مفروضا علينا أن نقيم دوريات حراسة ليلة تدوم ساعتين كل ليلة، ولم يكن يؤذى لنا عنها ، كانت أعمال سخرة حقيقية، أعادت لنا ذكريات الأجداد مع خليفة القايد الكلاوي في الزمن الماضي.." تلك الذكريات التي ما تزال عالقة بعقل أحد المسنين من أبناء أكدز القدامى، بأمازيغيته العتيقة والجميلة وطيبوبته الطافحة يقول " هذا القصر بنيناه مجبرين، كان خليفة الكلاوي بأكدز يجبرنا على العمل فيه بنظام السخرة، بل لقد أجبرنا على اقتلاع أخشاب السقوف من بيوتنا لتشييد قصره" أما الجار الملاصق للمعتقل فقد كان الأقرب إلى تلك الأحداث، لم يخطر بباله وبال السكان يوما أن هذا المكان يحوي أبرياء ساقهم حظهم العاثر وظرفية سياسية معينة إلى مدينتهم، يقول "كان يقال لنا إن المكان يحتوي على أعضاء من جبهة البوليساريو فقط، كان الجنود يعمدون إلى إرهاب السكان حتى لا يقتربوا من المعتقل، كما كانوا يحاولون القيام بعمليات اغتصاب للفتيات القادمات من المدرسة، لقد كانت الواحدة منهم تأتي إلى بيتها فزعة مرعوبة شاحبة اللون، تقول إن أحد الجنود طاردها وحاول الاعتداء عليها.."
أما المنتمون إلى جمعيات المجتمع المدني بالمدينة فيتوجسون خيفة من أن تظلم أكدز للمرة الثانية، فالأولى كانت عندما ارتبط اسمها بهذا الخرق السافر لحقوق الإنسان والمرة الثانية ستكون فيما يعد لها من مشاريع جبر الضرر الجماعي، يقول أحدهم "لم نستشر في أي من تلك المشاريع، المدينة تعاني من كل النواحي، في قريتنا الكبيرة لا يوجد مستشفى ولادة، النساء الحوامل يفارقن الحياة في الطريق إلى أقرب مستشف في وارززات والتي لا تعبد إلا 68 كيلومتر جبلية عن أكدز، وهم يدعون جبر الضرر" وعندما نقلنا تلك الاعتراضات إلى ممثلي المجلس الوطني لحقوق الإنسان، كان لهم رأي أخر عندما قال المسؤول عن المكتب"جميع الجمعيات العاملة في أكدز استشيرت في المشاريع التي ستقام في المنطقة، وما ينتظر أكدز، المعتقل والمدينة، يبشر بخير كبير، المعتقل سيتحول إلى فضاء سوسيو- ثقافي، والمدينة بدأت تظهر عليها أثار مشاريع جبر الضرر الجماعي، والأتي أكبر.." يقول ممثل المجلس بوارززات، لكن ما وقفنا عليه يخالف كل ما قاله..
بعد مغادرة  هذا الموت، بواحدة من لفتات القدر الرحيم، وبالكثير من نضالات أبناء البلد الصادقين، ولو إلى حين، عاد المجموعة إلى الناس، إلى الحياة، بكل ما وشم الاعتقال به أجسامهم، وأرواحهم، ومستقبلهم، من أوشام محال أن تنمحي مع الأيام، حصل الرحوي على الإجازة في القانون باللغة الفرنسية، وعمل بعض الوقت بجريدة وطنية حزبية، سرعان ما استغنت عنه فيمن قذفت بهم إلى المجهول الحياتي لأسباب مالية ربما، وربما لأسباب لا يعلمها إلا الراسخون في المكر بهذه البلد المسكين، بدون أي تأهيل نفسي عاد إلى الحياة، عاد إلى الناس وعلى مضض استطاع أن يجد له مكان بينهم، هو والمجموعة يرفضون مناقشة التعويض المادي الذي حصلوا عليه من هيئة الإنصاف والمصالحة، التابعة للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان أنذاك، بالنسبة لهم الهيئة لم تنصفهم ولم تجبر ضررهم بعد، قالها لنا بين جدران المعتقل الرهيب "الذي يوجد اليوم، كما الأمس، هو الضرر فقط.." المبالغ المالية التي حصوا عليها تتراوح بين الهزيل والأهزل، لم نسأله، ولم يجبنا، عن حجم الدراهم التي حصل عليها، فواقع الحال أبلغ من كل سؤال ومن كل جواب ..
ونجح عبد الناصر بنو هاشم في رسم مسار مهني ناجح بعيدا عن أموال جبر ضرره، حصل على الإجازة في الاقتصاد، وبعد بعض التجارب في الصحافة المكتوبة انتقل إلى العمل في القناة الثانية، حيث وصل به طموحه وتفانيه في العمل إلى الوصول إلى درجة رئيس تحرير، قبل أن يجد نفسه في الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري بدرجة مسؤولية إدارية محترمة، بالنسبة له جبر ضرره كان ذاتيا وبمساعدة من الأصدقاء والعائلة، أما أموال الدولة فقد جاءت في فترة لاحقة على كل تلك النجاحات، وكانت حلا نسبيا لبعض المشاكل المادية أساسا، على حد قوله، أما بقية  أعضاء المجموعة فكل فعلت به الحياة ما أرادت، وكلهم يعاني من مخلفات الاعتقال وتبعاته على حياتهم الحالية، وقريبا جدا ستتضاعف مآسيهم بمشكل التقاعد من أعمالهم، الدولة لا تريد أن تسوي مشاكلهم مع الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.. والأدهى والأمر هو أن هؤلاء المكلومين في الماضي والحاضر والمستقبل يستدعون أحيانا ليشرحوا للوفود الأجنبية المسيرة الناجحة للدولة المغربية في جبر الضرر.


[1]صور الروبرطاج في إطار بحث التخرج من المعهد العالي للصحافة والإعلام، وهو عمل مشترك بين صحافيين هما (سعيد بنرحمون وفؤاد الفلوس) وبين تقنيين هما (عبد الرحيم الطاهري وخليل السالك الوراق) وحصل على المرتبة الأولى من بين البحوث للموسم الدراسي 2010 -2011.  

السبت، 7 أبريل 2012

الضحاك يوقظ الحكومة الملتحية من حلمها الجميل


بقلم: سعيد بنرحمون

 مضت أزيد من 100 يوم من عمر الحكومة، جرت مياه كثيرة في كل الجداول وتحت كل  الجسور، بدأ بريق وزراء بن كيران يخفت شيئا فشيئا، بل وبدأت الرسائل المباشرة تصل رئيس الحكومة من هنا وهناك، أخر تلك الرسائل كانت تصريحات إدريس الضحاك الأمين العام للحكومة، هذا الوزير الذي ينتمي لزمن الدولة الحقيقي كان واضحا، الحكومة عابرة والأمانة العامة هي التي تضمن استمرار الدولة، لحظة حقيقة في غفلة من زمن المجاملات إن لم نقل شيء أخر، رد وزراء القنديل كان باهتا متماشيا مع اللحظة وإكراهاتها، الحبيب الشوباني قال إن "هناك كلاما خارجا عن التاريخ يتردد وليس هناك أي شيء يسمو فوق الدستور ومقتضياته" كذا قالها بدون تحديد حتى من يردد هذا الكلام، أما رئيس الحكومة الذي كان مشاغبا فلم ينبس ببنت شفة.
عن أي استمرارية يتحدث الوزير المجرب، إذا كان يتحدث عن استمرارية الدولة ككيان وشرعية وتوازنات وحسابات وأشياء أخرى، فالمغاربة اتفقوا منذ قرون على أن تكون الملكية هي الضامن بعد الله لدوام الدولة، شرعيا وتاريخيا ودينيا ودستوريا، وإن كان اليوم يتخلفون في أي ملكية يريدون، برلمانية صرفة أم تنفيدية صرفة أم عوان بين ذلك،  أما إذا كان يتحدث عن استمرار الدولة كجهاز مخزني، لا يقبل أن يشاركه أي كان في اتخاذ القرار الاستراتيجي، بمركزية شديدة تقتصر على دائرة ضيقة جدا، إذا كان يتحدث عن استمرار تلك الدولة فهو الأعلم بآليات استمرارها، ولعل المؤشرات متواترة في هذا الاتجاه، والتجربة أكبر من أن تنمحي، أو على الأقل تخف، بخريجات شباب 20 فبراير في مسيرات احتجاج دامت سنة بالتمام والكمال، كانت أشبه بالنزهات هي نهاية الأسابيع..
ثم إن الضمان، في أطيب النوايا،  يتطلب وجود التهديد، فهل حكومة بن كيران تشكل تهديد على استمرار الدولة؟ هل صناديق الاقتراع التي جاءت بهذه الحكومة تهدد استمرار الدولة؟ فالشعب هو الذي اختار المصباح، الذين يحن إلى زمن القنديل، ليكون على رأس حكومة الدستور الجديد، وهو الحزب الذي اعتقد أنه جاء إلى السلطة لحماية الدولة من تهديد الربيع العربي الموؤود، الآية تنقلب يوما بعد يوم، بن كيران الذي لطالما افتخر بأن حزبه رفض الخروج في مسيرات 20 فبراير خوفا عل الدولة من التهديد، وصوت على الدستور بنعم لأنه شعر بأن ما يحدث في الجوار العربي ليس ببعيد عنا، وهو الذي قال عن علاقته بالملك أكثر مما قاله مالك في الخمر، ومع ذلك فهناك من يخشى على الدولة من تهديد هذا الحزب، فالضحاك عبر في لحظة صفاء عن مكنون الدولة التي يريد.
والرسائل متواترة قبل وبعد خرجة الضحاك، فنشر لائحة "الكريمات" كان عمل فرديا خارجا عن التنسيق الحكومي، كما قال العديد من وزراء حكومة بن كيران من غير حملة القنديل، محمد أوزين وزير الشباب والرياضة، الذي أبان على قدر كبير من درايته بفقه المقاصد، يعيب على الخلفي، فقيه الظاهر، وعده بمنع إشهارات القمار من على شاشات قنوات المملكة، أما نبيل بعبد الله وزير الإسكان وسياسية المدينة، الذي يعتبر نفسه رجل الدولة الحقيقي في الحكومة، فلا يريد أن يفضح عن الفساد في وزارته قبل أن يحس بأن لوبياته تنتصب ضد تنفيذ مشاريعه، أما عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري، رجل الدولة الحقيقي في الحكومة، فأقصى ما يمكنه فعله هو تهديد مستغلي الضيعات الفلاحية التابعة للدولة باسترجاعها إذا لم يفوا بوعودهم الاستثمارية..
هل يخيب العدالة والتنمية أمال الذي صوتوا عليه في لحظة حماس حقيقية؟ هل بدأت جيوب المقاومة تعمل بكل أمان بعد خفوت حركة احتجاج الشارع؟ ثم هل صوتنا على بن كيران ليفرح، مثل الأطفال الصغار، بمكالمات ملك البلاد له؟ هل يصلح رفع الأذان في قنواتنا العمومية حال تلك الأقطاب المتجمدة بشهادة شهود أن أهلها؟ وماذا بعد نشر "كريمات" النقل خارج المدن يا وزير النقل، أين القانون الذي ينظم هذا القطاع؟ وماذا عن الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس وبما أغفلت أعين العباد، وهل إصلاح القضاء، الذي هو أساس العمران كما قال ابن خلدون، يتلخص في تحسين أجرة القضاة، وإلا استقلت من وزارتك يا السي الرميد؟ وماذا عن مهرجان موازين يا السي الحبيب، لماذا قلت كل ذلك الكلام وأنت تعلم سلفا أنه أكبر منك ومن حزبك، حارتنا لست مصابة إلى هذا الحد بآفة النسيان، حتى ننسى كلامك وكلام حزبك، مع الاعتذار لنجيب محفوظ في التصرف بقولته الشهيرة في رائعته "أولاد حارتنا".