بقلم: سعيد بنرحمون
مضت أزيد من 100 يوم من عمر الحكومة، جرت
مياه كثيرة في كل الجداول وتحت كل الجسور،
بدأ بريق وزراء بن كيران يخفت شيئا فشيئا، بل وبدأت الرسائل المباشرة تصل رئيس
الحكومة من هنا وهناك، أخر تلك الرسائل كانت تصريحات إدريس الضحاك الأمين العام
للحكومة، هذا الوزير الذي ينتمي لزمن الدولة الحقيقي كان واضحا، الحكومة عابرة
والأمانة العامة هي التي تضمن استمرار الدولة، لحظة حقيقة في غفلة من زمن
المجاملات إن لم نقل شيء أخر، رد وزراء القنديل كان باهتا متماشيا مع اللحظة
وإكراهاتها، الحبيب الشوباني قال إن "هناك كلاما خارجا عن التاريخ يتردد وليس
هناك أي شيء يسمو فوق الدستور ومقتضياته" كذا قالها بدون تحديد حتى من يردد
هذا الكلام، أما رئيس الحكومة الذي كان مشاغبا فلم ينبس ببنت شفة.
عن أي استمرارية يتحدث الوزير المجرب، إذا
كان يتحدث عن استمرارية الدولة ككيان وشرعية وتوازنات وحسابات وأشياء أخرى، فالمغاربة
اتفقوا منذ قرون على أن تكون الملكية هي الضامن بعد الله لدوام الدولة، شرعيا
وتاريخيا ودينيا ودستوريا، وإن كان اليوم يتخلفون في أي ملكية يريدون، برلمانية
صرفة أم تنفيدية صرفة أم عوان بين ذلك، أما
إذا كان يتحدث عن استمرار الدولة كجهاز مخزني، لا يقبل أن يشاركه أي كان في اتخاذ
القرار الاستراتيجي، بمركزية شديدة تقتصر على دائرة ضيقة جدا، إذا كان يتحدث عن
استمرار تلك الدولة فهو الأعلم بآليات استمرارها، ولعل المؤشرات متواترة في هذا
الاتجاه، والتجربة أكبر من أن تنمحي، أو على الأقل تخف، بخريجات شباب 20 فبراير في
مسيرات احتجاج دامت سنة بالتمام والكمال، كانت أشبه بالنزهات هي نهاية الأسابيع..
ثم إن الضمان، في أطيب النوايا، يتطلب وجود التهديد، فهل حكومة بن كيران تشكل
تهديد على استمرار الدولة؟ هل صناديق الاقتراع التي جاءت بهذه الحكومة تهدد
استمرار الدولة؟ فالشعب هو الذي اختار المصباح، الذين يحن إلى زمن القنديل، ليكون على
رأس حكومة الدستور الجديد، وهو الحزب الذي اعتقد أنه جاء إلى السلطة لحماية الدولة
من تهديد الربيع العربي الموؤود، الآية تنقلب يوما بعد يوم، بن كيران الذي لطالما
افتخر بأن حزبه رفض الخروج في مسيرات 20 فبراير خوفا عل الدولة من التهديد، وصوت
على الدستور بنعم لأنه شعر بأن ما يحدث في الجوار العربي ليس ببعيد عنا، وهو الذي
قال عن علاقته بالملك أكثر مما قاله مالك في الخمر، ومع ذلك فهناك من يخشى على
الدولة من تهديد هذا الحزب، فالضحاك عبر في لحظة صفاء عن مكنون الدولة التي يريد.
والرسائل متواترة قبل وبعد خرجة الضحاك، فنشر
لائحة "الكريمات" كان عمل فرديا خارجا عن التنسيق الحكومي، كما قال
العديد من وزراء حكومة بن كيران من غير حملة القنديل، محمد أوزين وزير الشباب
والرياضة، الذي أبان على قدر كبير من درايته بفقه المقاصد، يعيب على الخلفي، فقيه
الظاهر، وعده بمنع إشهارات القمار من على شاشات قنوات المملكة، أما نبيل بعبد الله
وزير الإسكان وسياسية المدينة، الذي يعتبر نفسه رجل الدولة الحقيقي في الحكومة،
فلا يريد أن يفضح عن الفساد في وزارته قبل أن يحس بأن لوبياته تنتصب ضد تنفيذ مشاريعه،
أما عزيز أخنوش وزير الفلاحة والصيد البحري، رجل الدولة الحقيقي في الحكومة، فأقصى
ما يمكنه فعله هو تهديد مستغلي الضيعات الفلاحية التابعة للدولة باسترجاعها إذا لم
يفوا بوعودهم الاستثمارية..
هل يخيب العدالة والتنمية أمال الذي صوتوا
عليه في لحظة حماس حقيقية؟ هل بدأت جيوب المقاومة تعمل بكل أمان بعد خفوت حركة
احتجاج الشارع؟ ثم هل صوتنا على بن كيران ليفرح، مثل الأطفال الصغار، بمكالمات ملك
البلاد له؟ هل يصلح رفع الأذان في قنواتنا العمومية حال تلك الأقطاب المتجمدة
بشهادة شهود أن أهلها؟ وماذا بعد نشر "كريمات" النقل خارج المدن يا وزير
النقل، أين القانون الذي ينظم هذا القطاع؟ وماذا عن الفساد في البر والبحر بما
كسبت أيدي الناس وبما أغفلت أعين العباد، وهل إصلاح القضاء، الذي هو أساس العمران
كما قال ابن خلدون، يتلخص في تحسين أجرة القضاة، وإلا استقلت من وزارتك يا السي
الرميد؟ وماذا عن مهرجان موازين يا السي الحبيب، لماذا قلت كل ذلك الكلام وأنت
تعلم سلفا أنه أكبر منك ومن حزبك، حارتنا لست مصابة إلى هذا الحد بآفة النسيان،
حتى ننسى كلامك وكلام حزبك، مع الاعتذار لنجيب محفوظ في التصرف بقولته الشهيرة في
رائعته "أولاد حارتنا".

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق