الأحد، 19 ديسمبر 2010

نزيف في خزان الكبار

تميزت سنة 2010 بزيف حاد أصاب جسد البلاد وما يزال، سنة رحل فيها إلى دار البقاء ثلة من خيرة المفكرين والغيورين على هذا البلد، ويا ليت النزيف يتوقف عند هذا الحد، لكن للقدر تصاريف أخرى قد تكون قاسية علينا نحن البشر، لكنها تُدمر حِكما الله سبحانه وتعالى يعرف سرها، «محمد عابد الجابري» الذي ملئ الدنيا وشاغل الناس على مستوى النقاش والفكر والبحث التراثي، و«إدمون عمران المليح»، الفيلسوف والروائي، الناقد الفني المتيز والمنتقد العالمي الكبير للصهيونية، و«المحجوب بن الصديق»، صديق الطبقة العمالية الكبير، رائد العمل النقابي، أيام كانت الكلمة الشجاعة تساوي على الأقل قدرا ليس باليسير من غرف سجن المستعمر الباردة ثم سجون صاحب البلد للأسف الشديد، و«أبراهام السرفاتي»، ذلك الحقوقي الذي لا يمل ولا يكل في الدفاع عن حقوق المستضعفين في الأرض، ضريبة نظاله واستماتته في الحق دفعها من جسده العليل، ومن أحلى سنوات عمره، أيام كانت كلمة الحق تؤدي بصاحبها إلى المجهول الرهيب، وإذا شئنا أدخلنا «محمد أركون» إلى زمرة المغاربة بما أنه أختار العيش بيننا مددا ليست بالقصيرة، بل واختار رفيقة حياة منا، وأوصى بأن تكون أرض المغرب حضنا لجسده الطواق إلى المعرفة، مفكر من طينة الكبار وقامة نقدية سبرت غور المباح وغير المباح، فأنتجت الفكر والتفكير، تفكيك العقل والتراث العربي الإسلامي....خسائر كبرى للمغرب، هل تتوفر البلاد على من يشبه جيل هؤلاء العمالقة، هل بنية تعليمنا تستطيع أن تعطينا ولو نسخ كربونية من مثل هؤلاء، نخشى أن تكون الإجابة بالنفي، جيل ما بعد الإستقال يفارقنا بهدوء مرعب، فنقيم المآثم ومواكب الجزائز ونأجل الأسئلة المقضة للمضاجع إلى أجل غير مسمى، رحم الله الجميع أحياء وأموات.

الأربعاء، 31 مارس 2010

الماء في كل بلدان العالم شيء ثمين،  والمحافظة عليه من أنبل القيم البشرية علي مر السنين، ومنشآت الماء تحضى بنفس أهمية الماء، مكانة رمزية، وحرمة قانونية،  فالسدود في أغلب بلدان العالم أماكن ذات حرمة خاصة، وهي في الأغلب أماكن تحضى بحراسة مشددة، نفس الأمر تقريبا يوجد بالمغرب، سدودنا، التي توفر احتياجاتنا المائية، لها مكانة خاصة، ووضعية أمنية دقيقة لا تترك أي مجال لعبت العابثين، أو لهو اللاعبين، يحرسها رجال القوات المسلحة الملكية بالحديد والنار، لكن ليس بالطائرات للأسف الشديد، هذا ما تأكد نهاية الأسبوع الماضي، عندما سقطت طائرة أحد الأمراء الإماراتيين في بحيرة سد سيدي محمد بن عبد الله، الأمير الشاب - رحمه الله- كان يمارس هوايته بالتحليق البهلواني في سماء المملكة رفقة طيار اسباني،  لكن عطل بأحد محركات الطائرة جعلها تسقط في بحيرة السد، قدر الله ولطف، رغم أن الأمير لقي حتفه، لا نقول إلا الحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه، كما أننا لا ننسى أن نطرح سؤالا جديا ماذا لو أن طائرة الأمير ارتطمت بجدران السد؟ مادا لو تصدعت تلك الجدران وانهار السد؟ ماذا سيكون مصير القرى المجاورة للسد؟ بل ما مصير سلا والرباط من ملايير الآمتار المكعبة من المياه التي تحتجزها جدران السد؟.
لقد حز في أنفسنا أن يفقد الأشقاء الإماراتيون  واحدا من أبنائهم الشباب فوق أرضنا، فأمام الموت لا يسعك إلا الحزن الصادق العميق، لكن الماء ومنشاته شيء أكبر وأقدس من أمير، سدودنا فضاء وجب أن تحضى بتأمين أكبر وحراسة من كل الأخطار. رحم الله الأمير وأسكنه فسيح جنانه، يحلق كيف شاء  دون أن يعرض حياة الناس للخطر غرقا أو عطش.   

الاثنين، 29 مارس 2010

مؤسسة عبد العزيز ال سعود

صومــــعـة الباحـــــثـيـن


تقف "مؤسسة عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية بالدر البيضاء"، شامخة، تطل على المحيط الأطلسي، بكنز معرفي متميز، يفوق 620.000 مجلد من مختلف الحقول المعرفية، تاريخ، فلسفة، سوسيولوجيا، أنتربلوجيا، علم نفس، لسانيات، آداب، لغات، دراسات دينية، جغرافيا، اقتصاد، قانون، علوم سياسية و غيرها، و تضم 2800 اشتراك في مجلات ودوريات من مختلف مناطق العالم. بناية فسيحة وأنيقة، تشبه بنايات الفنادق المصنفة، وسط فضاء ترفيهي، اختارت المؤسسة ذلك المكان لتحتفي بالكتاب وأصدقائه، في تحد واضح لمحيطها الهجين الثقافة.

تأسست المكتبة بمبادرة خاصة من خادم الحرمين الشريفين الملك "عبد الله بن عبد العزيز" سنة 1985، وهو ولي عهد المملكة العربية السعودية آنذاك، استجابة للحاجة الملحة لدى الباحثين ومختلف المهتمين في الدار البيضاء خاصة والمغرب على وجه العموم، وهي هيأة حرة تأسست بموجب القانون المغربي على شكل جمعية، تتوفر على الشخصية المعنوية، وصفة النفع العام، تدار هذه "المعلمة" الفريدة، من طرف مجلس إدارة يضم أطرا مغربية وأخرى سعودية من ذوي التخصص والمعرفة بالشأن المكتبي و التوثيقي، وتسير من طرف 50 موظفا، بعد أن وسعت المكتبة لتضاف إليها أجنحة جديدة زادتها سحنا، المكتبة قبلة الباحثين من مختلف مناطق المغرب، بل ومن مختلف مناطق العالم، خصوصا إذا علمنا أنها تضم أكبر رصيد معرفي وتوثيقي عن الغرب الإسلامي، تصنيفها دقيق بشهادة من يدمن على زيارتها، توازن معرفي فريد يجعل القيمين عليها، يتحدون كل من يأتي بعنوان معرفي منشور في المغرب ولا يتوفر في رفوفها، المكتبة تتحدى أيضا من لا يزال يخلط بين المكتبة والخزانة، وذلك عن طريقة الرفوف المفتوحة، التي تمكن القارئ من خلق تلك الألفة الجميلة مع الكتاب، ليفاجأ الذي جاء باحثا عن زيد بوجود عمرو أيضا، ولم يفت القيمين على هذا الصرح المعرفي الذي لا يوجد له إلا نظير واحد بعاصمة "المملكة العربية السعودية" يحمل الاسم نفسه ويحظى بالرعاية نفسها، أن من أدوار المكتبة رعاية البحث العلمي الجاد، والمساهمة في نشره، فكانت الحضن الدافئ للعديد من الأنشطة الأكاديمية المتميزة، كما كانت نعم الشريك للعديد من المؤسسات الأكاديمية بالمغرب وخارجه.

وللتسهيل على من يتخذ من الكتاب صديقا، وضعت المؤسسة نظام تصنيف وبحث معلوماتي دقيق، يمكن الباحث من الاطلاع على الرصيد المعرفي ، الذي تتوفر عليه عبر بوابة متميزة على الشبكة العنكبوتية، وعبر حواسيب وضعت رهن إشارة الزوار، كما عملت المؤسسة على إنجاز العديد من "الببلوغرافيات"، خاصة ما يتعلق منها بالرصيد المعرفي و التوثيقي الخاص بالمنطقة المغاربية عامة، والمغرب الأقصى على وجه التحديد، وتطمح المؤسسة إلى وضع ثلث رصيدها المعرفي (التي تساقطت حقوق ملكيته) على الإنترنت، حتى يتمكن الجميع من الحصول على مكتبة خاصة في بيته، تحد ، يضعه القيمون على هذه المؤسسة إلى جانب التحديات الأخرى التي يرفعونها ولعل أهمها الرفع من الشراكة مع مؤسسات البحث العلمي المختلفة، والحفاظ على رصيدها المـعرفي أطول مدة من الزمن، وذلك عبر تجليده لتستفيد منه الأجيال القادمة.

شهادات:

"أشرف"، حاصل على الإجازة في شعبة الفلسفة من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بن مسيك، يتهيأ لاجتياز امتحانات أساتذة السلك الثاني في مادة الفلسفة، يزور المكتبة مرتين في الأسبوع، ليقضي اليوم بأكمله فيها، ويعتبر نفسه محظوظا جدا لوجود المكتبة في المدينة التي يقطن بها، توفر له المكتبة كل الكتب التي يحتاجها على عكس مكتبة الكلية التي حصل منها على الإجازة، أو بعض المكتبات البلدية الموجودة بالدار البيضاء، العائق الوحيد الذي يعترضه هو مشكل التكلفة الباهظة للنسخ 50 سنتيما التي تفوق حسب "أشرف" الإمكانات المالية المحدودة للطالب الجامعي.

"أمين"، أستاذ جامعي باحث بمدينة الرباط، يواظب على المطالعة "بمكتبة عبد العزيز آل سعود" يوميا، و في أوقات فراغه يقضي يومه كاملا بالمكتبة، من الساعة 11 صباحا إلى 5 مساء، يعجبه في المكتبة جوها المساعد على المطالعة، لكنه يتحفظ على الرصيد المعرفي للمكتبة، حيث لا يجد بعض العناوين التي يحتاجها في تخصصه، لا يتوانى "أمين" في مقارنة هذه المكتبة بالمكتبات الموجودة في أوروبا وأمريكا، كمكتبة جامعة "السربون" أو مكتبة جامعة "هارفارد" أو مكتبات أمريكا، لكن على العموم هذه المكتبة بالنسبة إلى الأستاذ الباحث ربح كبير للمغرب، رغم أن الكتاب في المغرب لا يرقى إلى المكانة التي يستحقها كأداة ثقافة وتثقيف.

"أنيسة"، أستاذة التعليم الثانوي الإعدادي بنيابة أسفي وتواصل تكوينها العالي، بالسنة الثانية سلك الماستر في التاريخ تخصص تاريخ الجنوب المغربي، تتردد "أنيسة" على المكتبة كلما سنحت لها الفرصة لذلك، كما يزور المكتبة الوطنية والخزانة الحسنية  بالرباط ، تؤكد أن "مكتبة آل سعود" لا توفر لها بعض احتياجاتها المعرفية، خاصة ما يتعلق بموضوع بحثها "تاريخ الجنوب المغربي من خلال ببليوغرافيا الأستاذ محمد المنوني" كما هو الحال بالنسبة إلى النقص الحاصل في المخطوط المغربي بحسب "أنيسة"، لكنها تقر بأن "مكتبة عبد العزيز آل سعود" تتفوق على غيرها بالتصنيف الدقيق للرصيد المعرفي، وفي إطار المقارنة دائما، تؤكد ، أن خدمات النسخ متوفرة بالمجان في الخزانة الحسنية، وبثمن 30 سنتيما بالمكتبة الوطنية بالرباط، في حين أن التكلفة الخاصة بهذه المكتبة تصل إلى50 سنتيما.

سعيد بنرحمون

ثقافة و فن - ملف ثقافي

محمد الصغير جنجار: نائب مدير مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية

-الدار البيضاء-

كيف تساهم المؤسسة في الفعل الثقافي في الدار البيضاء خصوصا وفي المغرب عموما؟

المؤسسة موجهة أولا للبحث العلمي، وهي بشكل من الأشكال امتداد للجامعة المغربية، وباستثناء "العلوم البحتة" كالبيولوجيا أو الفيزياء وغيرهما، نحن نغطي كل حقول العلوم الإنسانية، العلوم التي تدرس في كليات الحقوق (قانون، علوم سياسية وغيرها) أو كليات الاقتصاد، أو العلوم التي تدرس في كليات الآداب (التاريخ، علم اجتماع، لغات، لسانيات وغيرها)،  بالإضافة إلى السوسيولوجيا وعلم النفس والدراسات الدينية والفلسفة وغيرها، المؤسسة تساهم من خلال إعداد مرجع عن الدراسات المغاربية في العالم بأسره، نحاول أن نسهل الأمر على الباحث الذي يشتغل عن منطقة المغرب الكبير(المغرب، الجزائر، تونس، ليبيا وموريتانيا) وامتداداتها التاريخية(الأندلس، صقلية المسلمة، إفريقيا الغربية، العلاقات بين المنطقة المغاربية وإفريقيا)، ثم الجاليات المغاربية في أوروبا وعبر العالم، نحاول أن نجمع كل ما يصدر عن هذه المنطقة من دراسات في العلوم الاجتماعية والإنسانية، سواء كتبت داخل هذه المنطقة أو خارجها، سواء كتبت بالعربية أو باللغات الأخرى، بالإضافة إلى اهتمامنا بالعالم العربي، لأنه لا يمكننا بناء مكتبة حول المغرب دون الاهتمام بالعالم العربي، باعتباره العمق الثقافي، الحضاري، التاريخي والإسلامي للمغرب، ثم نضيف إلى ذلك الانفتاح على الإصدارات العالمية في العلوم الإنسانية باللغات الأخرى.

ماذا عن الأنشطة الثقافية الموازية للكتاب؟

لا يمكن بناء مكتبة باعتبارها مخزنا للكتب فحسب، نحاول أن نبني مكتبة على نظام حديث هو نظام الرفوف المفتوحة، ليتمكن كل باحث من الوصول إلى ما يريده من كتب ومراجع، ونظام معلوماتي قوي متاح على الشبكة العنكبوتية، نظام يمكن الباحث من قاعدة معلوماتية تتيح له الإطلاع على ما تتوفر عليه المكتبة، حتى قبل المجيء إليها، كل هذا مساهمة منا في الدفع بالبحث العلمي في المغرب، بحيث يتمكن الشاب الذي ينجز دراسات عن موضوع من الإطلاع على كل ما أصدر في المغرب وخارجه بدل السفر إلى الخارج، العنصر الآخر هو النشاط الثقافي، لأن المكتبات اليوم لم تعد للقراءة وعرض الكتب فقط، بل أصبحت فضاء للحوار والنقاش، والمؤسسة منذ 25 سنة تقريبا عرفت بأنشطتها الثقافية والقضايا التي تهم منطقتنا، باستضافة باحثين أجانب من أوروبا أو من العالم العربي، والشراكة مع مؤسسات دولية كثيرة.

كيف تنظر مؤسستكم إلى مسألة النشر؟

المؤسسة ليست ناشرا، لكن بحكم تنظيمها لأنشطة ثقافية وعلمية وندوات تحاول أن تعرف بمنتجها عبر نشره، وأيضا عبر إنجاز الببليوغرافيات الخاصة بالإنتاج المغربي أو المغاربي، وفي السنوات المقبلة سيصبح النشاط أكثر قوة، لأننا دخلنا في شراكة مع جامعة محمد الخامس بالرباط، والآن نحن نحتضن عدة فرق للبحث التي تعمل وتنتج، وهذا الإنتاج سيصدر في سلسلة تسمى "أوراش البحث العلمي" هي عبارة عن كتب، ثم أطلقنا برنامج اختيار أحسن الرسائل الجامعية في إطار مجال الدراسات المغاربية، وفي السنة الماضية ترشحت لهذا البرنامج حوالي 100 رسالة جامعية، ثم اختيار 3 رسائل منها للنشر، وهذا سيدعم عملية النشر داخل المؤسسة التي ستواكب البحث العلمي المحترم والأبحاث المنجزة من طرف الشباب الباحث.

اهتمامكم بالمجال المغاربي ربما سيجعل منكم مؤسسة متخصصة فيه أم سيبقى الشق العربي الإسلامي حاضرا؟

نحاول أن نجمع بين الاثنين، لأنه الوضع المكتبي في المغرب أو في المنطقة العربية والمغاربية، حاليا لا يسمح لنا بالانطلاق في اتجاه المكتبات المتخصصة، لأن الحاجيات كبيرة جدا، إذا تخصصنا في المغرب العربي مثلا، سنجد باحثين في اللسانيات أو في الفلسفة لديهم طلبات وحاجيات في حقول تخصصهم، ولذلك نحاول أن نطور هذا التخصص في المنطقة العربية، بحيث ندفع به إلى أقصى حد ممكن، وبالموازاة مع ذلك نحاول أن نحافظ على هذا التوازن بالانفتاح على العمق العربي الإسلامي من ناحية الدراسات الأكاديمية، وأيضا العلوم الاجتماعية والإنسانية لأن حاجة الجامعة المغربية إلى الكتب لا تزال كبيرة جدا، وليس هناك حقل مكتبي كافي، بحيث نتمكن من توزيع الاختصاصات، لتصبح هناك مكتبات متخصصة في الفن أو الدراسات الإسلامية أو الفلسفة أو غيرها، هذا غير مطروح حاليا.

هل تقيمون شراكات مع وزارة الثقافة المغربية؟

هي شراكات لحظية ليست هناك شراكة إستراتيجية، بمعنى أننا ننجز شراكات ظرفية إذا تعلق الأمر بندوات أو أشياء نقدمها في معرض الكتاب، مثلا في المستقبل القريب سيكون هناك مؤتمر لاتحاد المكتبات العربية، نحتضنه بشراكة مع وزارة الثقافة المغربية، شراكتنا مع وزارة الثقافة تكون في مشاريع محددة.

تعتمد مؤسستكم  طريقة الرفوف المفتوحة، ألا يطرح لكم هذا الأمر مشاكلا؟

بطبيعة الحال، نظام الرفوف المفتوحة مفيدة جدا للقارئ، لكنه مكلف جدا للمؤسسات التي تشتغل به عبر العالم، نحن فضلنا أن نشتغل بهذا النظام أولا لتيسير استغلال موارد المكتبة للقارئ ولتدشين تقليد جديد لديه، فعلى امتداد قرون في متخيل المغربي المكتبة هي الخزانة، والخزانة هي المعنى القديم لـ"dépôt" الذي يحجب المخزون عن طالبه، أي أن القارئ يطلب وينتظر، التوجه العالمي والذي تجسده الشبكة العنكبوتية بشكل من الأشكال هو الولوج المطلق "l’accessibilité absolue"، أي أن الحاجة يجب أن تكون في متناول طالبها، وعادة ما يأتي الطالب للبحث عن كتاب معين ليجد كتب أخرى، لم يكن يظن أنها موجودة في المكتبة، هذا النظام يتيح مزايا معرفية كبيرة جدا، وكلفته معقولة إذا أردنا أن نحافظ على هذا الخاصية التي تميزنا عن غيرنا.

ألا تفكرون في اعتماد الإعارة الخارجية للكتب؟

نظام الرفوف المفتوحة يعني أن الباحث يجب أن يجد الكتاب في كل وقت يطلبه فيه، إذا اعتمدنا نظام الإعارة الخارجية، هذا يعني أن جزءا من الكتب سيِِِفقد داخل الرفوف، ومنذ البداية تم اختيار هذا الطريق، أي أن الاستعمال يكون في عين المكان، خصوصا أننا اعتمدنا النسخة الواحدة  في أغلب الكتب التي نتوفر عليها، وطبيعي أن الكتب التي عليها إقبال كبير لدينا منها أكثر من نسخة، وفي العموم الدراسات الأكاديمية نشتري منها نسخة واحدة، لدينا إعارة خارجية وهي نظام جديد، فريد من نوعه في العالم العربي، ذلك أن جامعة محمد الخامس، باعتبار أنها تضم عددا كبيرا من الباحثين المستقرين بالرباط، ويصعب عليهم التنقل باستمرار إلى الدار البيضاء، دخلنا في شراكة مع المكتبة الوطنية وأحدثنا مكتبا تابعا للمؤسسة داخلها، بحيث يستطيع الباحث الولوج إلى موقع المؤسسة، ويطلب الكتب من خلال مكتب الرباط، ونحن نوفر سيارة تنقل الكتب بشكل أسبوعي إلى الرباط، ويتم الاطلاع عليها في عين المكان، وتعاد كل أسبوع، هذا النظام يسمى الإعارة ما بين المكتبات، وهو موجود في ألمانيا فقط، بحكم أن المكتبات في ألمانيا متخصصة، هناك المتخصصة في القرن 17 وأخرى في القرن 18 وهكذا، وهذا لا يعني أن على القارئ أن يتنقل إلى كل المكتبات، بل يكتفي بأن يطلب الكتب من الموقع الإلكتروني، لتصل إلى المكتبة القريبة من وجوده خلال 24 ساعة، توفقنا في محاكاة هذه التجربة مع مدينة الرباط، والآن لدينا حوالي 500 عنوان تذهب وتأتي من وإلى الرباط بشكل أسبوعي.

يمكننا أن نعمم هذا النظام، لكن إذا وجدنا شركاء يتوفرون على إمكانيات، لأنه نظام مكلف ماديا، إذ على الشريك أن يتوفر على مكان خاص، على إمكانات معلوماتية، وعلى إمكانات خاصة بالتنقل المنتظم، إذا توفرت المكتبات الجهوية على هذه الإمكانات يمكننا أن نتوصل إلى الصيغة نفسها في العمل ونطورها، بحيث يصبح الكتاب قريبا من القارئ بدل أن يتنقل القارئ إلى الكتاب.

ألا تفكرون في إنشاء فروع أخرى للمؤسسة داخل أقاليم المملكة؟

في إستراتيجيتنا الحالية هذه المسـألة غير مطروحة، في أفق 2025 نفكر في توسيع هذه المؤسسة، لنصل إلى مليون عنوان، ونود تطوير الجانب الرقمي ليصبح ثلث عرضنا المكتبي والتوثيقي رقميا بدل الاكتفاء بالعرض الورقي، كما نضع نصب أعيننا مسألة النشر وتوطيد العلاقة مع الجامعة ومع البحث العلمي، وتطوير الجانب الرقمي يعني أن تصبح المكتبة في متناول الجميع وبدون تنقل، والنظرة المستقبلية التي توجد عند الكثير من المكتبات في العالم هي أن تعرض كل النصوص التي ليست لها حقوق التأليف عبر شبكة الإنترنت، ونتوقع أن تطرأ تطورات على حقوق التأليف، إمكانية عرض المطبوعات ستصبح كبيرة جدا لنصل إلى إمكانية أن يتوفر كل بيت على مكتبة خاصة.

الصناعة المكتبية باتت علما قائم الذات، هل تضعون الإلمام به شرطا في طاقمكم البشري؟

هذه من الأمور التي تطرح مشكلا، المجال المكتبي اليوم لا يتطلب كوادر بشرية تتوفر على إمكانيات تقنية فقط، المشكل الذي يطرح اليوم هوأن المكتبات الحديثة، بهذه الصيغة التي نتوفر عليها (مكتبة جامعية، شبه موسوعية، تتوجه للباحثين، تقتني كتبا مختارة، تقدم معلومات عن محتوى الكتاب أو المقالة خصوصا بالنسبة إلى قاعدة معلومات المنطقة المغاربية)، تستوجب الثقافة الموسوعية في الأشخاص الذين يعملون بها، العرض المتوفر اليوم في الكوادر البشرية يميل نحو تدني الثقافة الموسوعية، وحتى الذي يتوفر على تلك الملكات يفضل العمل في مجالات أكثر مردودية من الناحية المادية، القطاع المكتبي اليوم لا يجلب إلا الكوادر التقنية المتواضعة التكوين "الموسوعي" و اللغوي، نحن لا نحتاج تقنين بقدر احتياجنا إلى أناس لديهم معرفة باللغات وأرضية ثقافية قوية، هذا النوع من الناس، ونظرا للرواتب التي توفرها المكتبات ونظرة المجتمع السلبية للشخص الذي يعمل في المكتبة، يفضل العمل في مجالات أخرى "كالصحافة" مثلا.

كيف تستطيع المؤسسة المحافظة على توازنها المالي وهي تقدم خدماتها مجانا باستثناء خدمات النسخ؟

المؤسسة أنشئت في الثمانينات (1985) من طرف "عبد الله بن عبد العزيز" الذي كان آنذاك وليا للعهد في المملكة العربية السعودية، أرادها أن تكون هدية لمدينة الدار البيضاء التي كان يزورها في العطل، ومنذ ذلك الوقت، وهو يمولها بانتظام من خلال مجلس إدارة مكون من شخصيات مغربية وأخرى سعودية، الثلثين مغاربة والثلث سعودي، يجتمع مرتين في السنة لمناقشة برامج المؤسسة، يناقش ميزانية المؤسسة وتقترحها على صاحب المشروع، الذي كان له منذ البداية سياسة خاصة تجاه المؤسسة، توجد نظيرة أخرى لهذه المؤسسة بالعاصمة السعودية "الرياض" وكليهما يمول من أوقاف أوقفها "عبد الله بن عبد العزيز" لتسييرهما، ومنذ ذلك الحين والمؤسسة تحصل على تمويل منتظم، مع توجيهات محددة على مستوى تدبير هذه الموارد، وبخلاف تجارب موجودة في العالم العربي وفي العالم، هذه المؤسسة والقائمون عليها اختاروا منذ البداية أن تكون الأموال الموجهة لها في خدمة الهدف الأساسي الذي أنشئت من أجله، وهو تكوين مكتبة محترفة، لهذا فنحن نشتغل بطاقم بشري محدود جدا، ما بين 45 و50 شخصا، بينما قد تجد في مكتبات أخرى ليس لها إمكانياتنا التوثيقية في المغرب وغيره، من 150 و 200 موظف، بمعنى أن الاختيار كان موجها منذ البداية إلى خدمة القارئ من خلال مكتبة تكون لها طاقة شرائية قوية وتتجدد باستمرار، لذا فنحن نحرص كل سنة على اقتناء 25 ألف عنوان، ولدينا اشتراكات في حوالي 2800 مجلة ودورية عبر العالم، واشتراكات في مجلات رقمية أمريكية وغيرها بالآلف، بحيث يتمكن القارئ من الاطلاع وتنزيل كل تلك المجلات والدوريات بالمجان، المؤسسة لديها توازن مالي كاف، ووفق الإستراتيجية التي ترسمها لنفسها، ففي أفق 2025 نسعى إلى الوصول إلى مليون عنوان بإمكاناتنا الخاصة.

مشروع خاص من هذا النوع يحسدنا عليها حتى بعض الأوربيين الذين يزورننا من جنوب فرنسا مثلا، ويؤكدون أنهم لا يتوفرون على مكتبات من هذا النوع، وحتى المشاريع المكتبية التي ستؤسس في المغرب من طرف الحكومة، في فاس والدار البيضاء وغيرها، ستجد نموذجا رائدا تقتضي به وربما تتفوق عليه إن شاء الله، والمشكل عندنا في هذا المجال هو مشكل اختيارات وليس مشكل تمويل، الآن توجد مكتبات تتجاوز إمكانات مكتبتنا بأربعة مرات، المكتبة الوطنية كبيرة جدا، لديها كوادر بشرية تفوقنا بكثير، مكتبة مسجد الحسن الثاني في طور الإنشاء، هناك مكتبة تم تطويها بالتعاون مع وزارة الأوقاف في مكناس وغيرها، هذا يعني أن القطاع المكتبي ورش مفتوح يعرف تقدما مطردا في المغرب، أتمنى أن نتوفر على إستراتيجية متكاملة في هذا الميدان ورؤية على المستوى العلمي والتوثيقي حتى نصل إلى التخصص والتكامل بين المشاريع المكتبية.

من خلال النظرة الأولية يظهر أن الكتاب الديني هو المهيمن على المكتبة، هل هذا المعطى حقيقي؟

هذا غير صحيح نهائيا، الدراسات الإسلامية كلها لا تشكل أكثر من 5 في المائة من الرصيد المعرفي بالمؤسسة، الدراسات الدينية ليست إلا جزءا من الإنتاج الإنساني، مهمتنا الأساسية هي أن نقدم للقارئ هذا الإنتاج الإنساني بشكل متوازن، لدينا رصيد معرفي في التاريخ، الجغرافيا، الفلسفة، الإنثربلوجيا، علم النفس، اللغات، اللسانيات، السوسيولوجيا، الاقتصاد وغيرها، المكتبة ليست دينية، ونتحدى أيا كان أن يقول إن هناك كتابا في الإنثربلوجيا مثلا يوجد في المغرب ولا نتوفر عليه في مكتبتنا، المكتبة تحاول أن تلبي جميع احتياجات الباحث في مختلف العلوم الاجتماعية والإنسانية، لدينا الفلسفات، المذاهب، النظريات وحتى الديانات الأخرى، أكبر رصيد عن اليهودية في المغرب يوجد لدينا، أكبر رصيد بالإنجليزية في المغرب يوجد لدينا، هذا اختيارنا الاستراتيجي منذ البداية، وهو اختيار صائب على مستوى البحث العلمي الذي يشترط تنويع المشارب المعرفية.

توفر المؤسسة خدمات متنوعة للمرتادين منها خدمة الجرائد والمجلات، خدمة الكفتيريا، وخدمة النسخ التي تطرح عدة مشاكل منها غلاء العملية والاكتظاظ.

خدمة النسخ اليوم في كثير من المكتبات مفوتة للخواص، الذين يحكمهم منطق الربح والخسارة، ليس لدينا إمكانات للقيام بهذه العملية، بالنسبة إلى التجليد مثلا لدينا ميزانية تساوي 60 مليون سنتيم سنويا، وهذا رقم كبير، لكننا وضعنا على عاتقنا مسألة استمرار هذه الكتب في المستقبل، نزور بعض المكتبات في أوروبا ونجد كتبا عمرها قرنين أو ثلاثة، كيف يمكننا أن نحافظ على كتاب لمدة 200 أو 300 سنة بدون الاستثمار فيه، نستثمر أيضا في كل التقنيات الخاصة بمقاومة السرقة، لذلك ارتأينا أن نفوض عملية النسخ للقطاع الخاص، ثم إن هذه العملية تطرح مشكلا في حد ذاتها، هناك حقوق الناشرين والمؤلفين، أما قطاع الجرائد نحن في مرحلة تجريبية، لنرى هل هناك إقبال عليه أم لا، إذا وجدنا أنه يلاقي إقبالا، حينها قد نطوره ونجعله مكتبة قائمة الذات.

كيف تنظرون لمستقبل الثقافة في المغرب من واقع كونكم أحد صناعها على الأقل على مستوى توفير الكتاب والفضاء المناسب له.

إذا قصدنا بالثقافة قطاع المكتبات والكتاب والقراءة، فبالأرقام إنتاج الكتاب يتطور في المغرب بوتيرة ضعيفة ولا ترقى إلى المأمول، بحيث اعتقدنا أن انتقال المغرب من بلد تتفشى فيه الأمية التي وصلت حاليا إلى 53 أو54 في المائة في المدن تراجعت هذه النسبة كثيرا، اعتقدنا أن الأمر سينعكس على الكتاب واستهلاكه.

عملية تطوير التمدرس في المغرب لم تواكبها عملية توسيع الإنتاج الخاص بالكتاب، والرفع من نسبة القراءة، الكثير من الباحثين يلحون على أن المنظومة التعليمية في المغرب لم تستطع أن تجعل من القراءة عنصرا رئيسيا في العمل البيداغوجي، والقراءة هنا ليس بمعنى الحفظ والاسترجاع، بل القراءة التحليلية النقدية التفسيرية، هذا النوع من القراءة لم يتطور في المغرب بشكل رئيسي، العنصر الآخر الذي لم نتفوق فيه هو أن الكثير من الدول التي استطاعت أن تطور القراءة وثقافة القراءة والممارسات الثقافية المعتمدة على القراءة وإنتاج المطبوع، هي مجتمعات نجحت في خلق التمدرس قبل أن تأتي وسائل الإعلام الحديثة، كما هو الشأن بالنسبة إلى فرنسا أو إسبانيا أو كوريا الجنوبية، التي تتوفر الآن على شعوب قارئة، عملية انتشار القراءة و تمدرس السكان بشكل مكثف، كانت قبل الخمسينات وانتهت في أواخر الخمسينات، في هذه الفترة كانت إسبانيا مثلا قد نجحت في إدخال الجميع إلى التعليم الابتدائي، أما في المغرب فلم تبدأ عملية تمدرس السكان بالشكل المكثف سوسيولوجيا إلا في فترة السبعينات والثمانينات، وفي هذه الفترة بالذات جاءت ثقافة الصورة وانتشرت عبر التلفزة والفيديو وغيرها، في الوقت نفسه الذي كان يجب أن تهيمن فيه ثقافة الكتاب، لم تستطع ثقافة الكتاب أن تترسخ في المغرب في الوقت الذي غزت فيه ثقافة الصورة، وما يثبت ضعف مستوى القراءة في المغرب هو ما يعرف برقم مبيعات الجرائد، فالمعروف دوليا أن رقم مبيعات الجرائد يعتبر مؤشرا على القراءة، المغرب لا يزال ضعيفا في هذا المجال، الآن الإستراتيجية الممكنة لتخطي كل هذا هي تطوير إستراتيجية القراءة من خلال منظومة المدرسة، لأنه من الصعب أن ترسخ ثقافة الكتاب دون الاعتماد على المدرسة، وهنا يجب التنبيه إلى أن  الإصلاح الواجب اعتماده يجب أن ينصب على النوع وليس على الكم فقط، فقد نتمكن من الوصول إلى نسبة 100 في المائة، لكن التحدي هو الاهتمام بالنوعية والجودة، والمكتبات ستكون مفتوحة لكن أين القارئ، نحن نوفر600 مكان يوميا ولا نصل إلا إلى 300 حتى 500 في أحسن الأحوال، المكتبة الوطنية توفر  1200 مكان ولا يأتيها إلا حوالي 200 إلى 300 قارئ في اليوم، المشكل أن الكتاب المغربي لا يتجاوز 3000 نسخة في الطبع، ليس لدينا ما يصطلح عليه "Best Saler" ، أي الكتب التي تصدر وتستطيع تحقيق 200 ألف إلى 300 ألف نسخة، كل هذه العناصر تبين أن الكتاب لم يصل إلى المكانة اللائقة به في تقاليدنا المغربية.

سعيد بنرحمون


انتهازيون يضعون اليد على شاطئ عين الذئاب
11:17 | 14.07.2009الدار البيضاء: سعيد بنرحمون | المغربية
يعتبر شاطئ الذئاب في الدار البيضاء من النقط الأكثر جذبا للزوار والمصطافين داخل العاصمة الاقتصادية في فصل الصيف. وإذا كانت هذه المدينة الأكثر تعدادا للسكان على الصعيد الوطني فإن منطقة عين الذئاب تشكل المتنزه البيضاوي الذي يشهد رواجا أكبر من حيث الزوار على مدار السنة، سواء في الليل أو في النهار
شاطئ عين الدياب المتنفس الصيفي للبيضاويين (خاص)
مع العلم أن في فصل الصيف تتضاعف نسبة الزوار لعين الذئاب بشكل قياسي، خاصة مع توافد الأعداد الغفيرة من المصطافين الذين يقصدون شاطئ عين الذئاب نهارا للاستمتاع ببرودة مياهه في الوقت الذي تشهد فيه المدينة درجات حرارة عالية، كما يغتنم البعض الآخر الفرصة لتحويل مساحات واسعة من رمال الشاطئ إلى ملاعب لكرة القدم وممارسة رياضات أخرى مثل الكرة الطائرة والتنس وحتى الفروسية... إلا أن الاهتمام المتزايد بهذا الشاطئ الإقبال الكبير الذي يشهده جعل العديد من الانتهازيين المتعطشين إلى الربح السريع يضعون اليد على هذه المنطقة السياحية وإخضاعها إلى منطق تجاري لا يراعي خصوصيات المدينة ولا إمكانيات سكانها... كما أن المنطقة تشهد في بعض الأحيان بعض الممارسات اللاأخلاقية مع العلم أن الأسر تشكل النسبة الأكبر من مرتادي هذا الشريط الساحلي.

الساعة تشير إلى تمام الحادية عشرة والنصف "بشاطئ عين الذئاب"، المكان متوسط الاكتظاظ، أناس من كل الأعمار ومن كلا الجنسين، البعض يستمتع بالمياه الزرقاء الجميلة، والبعض يستلقي تحت أشعة الشمس الساطعة، والبعض الآخر يفضل اتقاء لفحاتها بمظلة شمسية كبيرة مستمتعا بفك رموز الكلمات المسهمة لإحدى اليوميات المغربية، والبعض يمارس رياضة المشي أو الجري التي تزداد جمالية وصعوبة مع وجود عائق المياه، والبعض يفضل مرافقة صغاره إلى البحر خوفا عليهم رغم الوجود المكثف لمعلمي السباحة الموسميين المكلفين بمراقبة مرتادي الشاطئ، فيما ينهمك شباب متقارب الأعمار في تبادل كرات التنس بمضارب خشبية أو ممارسة هواية كرة القدم، يركضون وراء الكرة بشكل هستيري غير آبهين بالذين يسبحون أو يركضون أو يهمون بالرجوع إلى أماكنهم بعد أن تكون المياه الباردة قد أخذت منهم كل مأخذ، يستخدم هؤلاء الشباب كرات جلدية قاسية الأكيد أنها لو أصابت أحد الأطفال المهرولين هربا من المياه الباردة لكانت العواقب وخيمة.

تفويت الشاطئ للخواص

رمال الشاطئ تستغل في غالبيتها من طرف أشخاص يكترونها من السلطات الوصية، ويحددون تلك الأماكن بحبال وأعمدة خشبية، كما ينصبون مظلات ذات ألوان موحدة وكراسي، وعلى الذي يود الدخول إلى تلك "المملكات الخاصة" أن يؤدي ما بين 30 إلى 50 درهما حسب الفترات.

فكاك، مواطن في عقده الرابع أو الخامس، يؤكد أن "هذه مشكلة حقيقية، هؤلاء الناس يحتلون الشاطئ ويحددون الأسعار كما يحلو لهم في غياب كلي لسلطات مراقبة الأسعار..."، هذا المصطاف لا يستسيغ أن يحدد هؤلاء 50 درهما كمقابل لمظلة شمسية وكرسيين، بل يعتبر الأمر منكرا وجب تغييره، وتفويت مثل تلك الأماكن إلى أشخاص بعينهم قد يستسيغه فقط إذا خضعوا لعملية دورية ومنتظمة لمراقبة للأسعار، حسنات هذه الأماكن الخاصة هي الجمالية التي تضفيها على الشاطئ بفضل الألوان الزاهية لتلك المظلات، فتجد نفسك قبالة منظر مكون من الأحمر ثم الأصفر والبرتقالي (...) بالإضافة إلى زرقة مياه المحيط.

مراقبو السباحة بين الكفاءة والمسؤولية 

تنتصب على طول الشاطئ 15 منصة على شكل أبراج حديدية يتخذها معلمو السباحة أماكن لمراقبة مرتادي الشاطئ وتوجيه حركتهم إلى الأماكن الآمنة للسباحة، وعلى كل برج يوجد مراقبون للسباحة، ليصل المجموع إلى ما يزيد عن 30 مراقبا باحتساب رؤسائهم من رجال الوقاية المدنية، بالإضافة إلى الذين يوجدون في المقر المركزي للمراقبة تحت إمرة ضابط للوقاية المدنية، حيث ترابض سيارتا إسعاف، واحدة تابعة للوقاية المدنية، والأخرى تابعة لوزارة الصحة، وسيارتان نصف نقل تابعتان للوقاية المدنية واحدة بالمقر والثانية تقف بالقرب من المصطافين، وللمساعدة في عملية الإنقاذ وضعت تحت تصرف الوقاية المدنية دراجة بحرية متوسطة الحجم ((jet ski، تقف على أهبة الاستعداد للحالات الطارئة، رغم كل هذه الاستعدادات فالناس يفضلون أن يرافقوا صغارهم إلى المياه أو مراقبتهم يسبحون عن قرب ولهم في ذلك أسباب مقنعة، فالثلاثون مراقبا للسباحة ليسوا بروح المسؤولية نفسها للقيام بعملهم، إذ تجد العديد منهم منهمكين في أحاديث جانبية مولين ظهورهم صوب البحر ومرتاديه، بل وجدت "المغربية" اثنين منهما يستمتعان بممارسة كرة القدم مع بعض المصطافين.

الأدهى من ذلك يؤكد "رشيد"، في عقده الثالث أو الرابع، يصطحب طفليه وزوجته إلى البحر، أن أولئك الشباب المكلفين بالحراسة يعوزهم الجانب الأخلاقي في ممارسة عملهم (...)، كما يعاب عليهم مغادرتهم للشاطئ على الساعة السادسة مساء والشاطئ ما يزال به بعض المصطافين، حيث يؤكد "رشيد" أن شابة كادت تغرق بعد أن غادر المكلفون بالمراقبة لولا الألطاف الربانية وشجاعة بعض الشبان الذين وجدوا بالقرب منها فأخرجوها مغمى عنها، على عكس "فكاك" الذي يدرك خطورة شاطئ "عين الذئاب" ولا يريحه ولا يطمئنه عن أطفاله سوى وجود معلمي السباحة بالعدد الكافي لمعالجة كل الحالات الطارئة.

النظافة في عين الذئاب

من حسنات تفويت بعض الأماكن إلى الخواص، حالة النظافة داخل تلك الأماكن، لكن الأمور نسبية وتختلف من منطقة إلى أخرى، إذ وجدت "المغربية" بعض مخلفات الأكل مرمية بجانب المكان المخصص لها على مقربة من أحد الفضاءات المفوتة لأحد الخواص، وعلى العموم فنظافة الشاطئ متوسطة الحال، إذ يتكفل جرار بتنظيفه كل ليلة، لكن الأمور تسوء بشكل كبير على مقربة من منطقة "سيدي عبد الرحمان"، إذ يكثر وجود أكياس البلاستيك والقوارير الفارغة للخمور.

الأمن الحاضر الغائب 

الأمن من الأمور التي تشكل أكبر المشاكل على طول الشاطئ، وبالأخص على مقربة من "سيدي عبد الرحمان" حيث يكثر وجود شبان يتخذون من الصخور ملجأ لمعاقرة الخمر يتحلقون حولها ولا يتورعون عن الأفعال الخادشة للحياء على مرأى من رجال القوات المساعدة، الذين يتكلفون بتوفير الأمن للمصطافين، الأمر الذي يعتبره رشيد غير كاف بالمرة، ويزيد أن "السكارى غير مأموني الجانب، وقد يندسون بين النساء في كل لحظة، مما يرغمني على ملازمة أسرتي"، بالإضافة إلى بعض الذين يجدون في الشاطئ فرصة سانحة ليعيشوا لحظات حميمية رفقة مرافقاتهم، ليؤكد رشيد أن رجال القوات المساعدة يكتفون بمطالبة هؤلاء بالتستر في ممارساتهم الحميمية، أما "فكاك" فيعتبر أن الأمن متوفر رغم أنه لا يبدو ظاهرا للعيان، دوريات القوات المساعدة تجوب الشاطئ جيئة وذهابا، أما عناصر الشرطة فلا أثر لها على طول الشاطئ.

يضطر أغلب الذين يقصدون شاطئ عين الذئاب لقضاء اليوم بطوله إلى جلب الأكل جاهزا من البيت، لأن ما يقدم بعين المكان هو إما غالي الثمن أو لا يرقى إلى المستوى المطلوب من حيث النظافة والجودة، في غياب شبه كلي للسلطات المكلفة بالمراقبة الصحية لكل تلك النسوة اللواتي ينتصبن بالقرب من "سيدي عبر الرحمان" يقدمن بعض الوجبات الخفيفة للمصطافين بأثمنة مناسبة لمحدودي الدخل أو معدوميه، والتي هي في الغالب "السردين شراكي، برارد أتاي، والمسمن ..." يؤكد رشيد أن العنصر المهم في النظافة هو الماء الصالح للشرب، الذي تضطر أولئك النسوة إلى دفع 3 دراهم للدلو الواحد لجلبه من المراحيض الموجودة بالقرب منهن، ولن يكلفن أنفسهن جلبه بالكميات الكافية، ليكتفين باستعمال الموجود وإعادة استعمال