الاثنين، 27 فبراير 2012

احتفاء بشيخ اليساريين



بقلم: سعيد بنرحمون

خطاب الوحدة، بشكل عام، خطاب ديني حالم أو أيديلوجي شمولي،أصاب الصدئ مفاصله في وطننا العربي والمغاربي منذ مدة طويلة، نادت به حركات دينيةوأحزاب قومية في المشرق والمغرب، يمينية تارة في مناسبات معدودة، ويسارية تارةأخرى في كل المناسبات، فلم يحقق منه، لا هؤلاء ولا هؤلاء، لا القليل أو الكثير،أنفق فيه العديد من المنظرين العروبيين، والسياسيين المتسلطين على شعوبهم،والمتكلمين باسم الدين، واليساريين الجذريين منهم والمعتدلين، وحتى بعضالأمازيغين، أطنانا من الزيوت لتليين مفاصله، لعلّ دواليبه تسعفهم وتدور، فارتختمفاصل ألسنتهم دون أن تفك مفاصله قيد أنملة، فالوحدة هدف يصعب تحقيقه بإجماعالمتخصصين، لكن الاتحاد مطلب في المتناول بإرادة شباب الربيع المغربي أولا ثم العربيثانيا.
الوحدة كما يقول درس التاريخ مطلب عزيز لا يحققه فعلاسوى المرسلون أصحاب المشاريع السماوية، وما تلبث بدورها أن تزول بزوالهم، تلك سنةالحياة، وقد يحققها، قولا لا فعلا، الحكام الديكتاتوريون، فيعتقدون أنهم يتوحدونوهم في الواقع يتنافرون ويتجهون نحو الاقتتال حلما بالوحدة، وما ماضي المنطقة عناببعيد، يوم توهم جمال عبد الناصر ومعه المصريون والسوريون أنهم مطلقون مسلسلالتوحيد في الوطن العربي، فكان أن استعدى بعهم البعض إلى ما شاء الله من السنين،ومن بعده كانت هلوسات مجنون ليبيا، الراحل على كل حال، يوم كان يقيم الوحدات صبحاوينهيها بعد الزوال، وحالة الوحدة السودانية المنجزة قصرا، ونظيرتها اليمينية، تشهدعلى المآل، هذا ماضينا كما يقول المؤرخون، أما الاتحاد فهدف سياسي معقول، يحققهالديمقراطيون الحقيقيون ببعض التنازلات هناك وهناك، الاتحاد كما يعلمنا الجارالشمالي تغليبا للمصلحة العامة على المصالح الضيقة، التي تتحول بسرعة كبيرة إلىمعيقات حقيقية، المصلحة العامة التي لا تكون إلا بالتقاء المصالح الخاصة للأقطارالمغاربية مع المصحة العامة في الاتحاد، ولعل أكبر مصلحة عامة تغري بالاتحاد اليومهي البحث عن البقاء في عالم يتكتل فيه الأقوياء ليزدادوا قوة.
مناسبة هذا الكلام ما طالبت به حناجر عديدة، يملؤها الأملالكبير، أمل أحيا فيها حلما جميل، حلم الوحدة المغاربية، شخصيات من المغربوالجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا، بل ومن بلاد المشرق أيضا لبت نداء الرجل الكبيرفي كل هذه الأقطار، فحضرت العرس الثاني لشيخ اليساريين في المغرب "محمد بنسعيدأيت إيدر" في الدار البيضاء، نظمت على هامش التكريم مناظرة مغاربية، اختارتشعارا معبرا أيضا "الفضاء المغاربي في ضوء الربيع العربي" وهو النشاط الذيأقامه المركز الذي يحمل اسم المحتفى به "مركز محمد بنسعيد أيت يدر للأبحاثوالدراسات" ذلك المناضل اليساري الشاب في شيخوخته، الذي تعاقبت عليه أيامودول وما بدل تبديلا، توالي الأيام عليه لا يزيده إلا قوة وشبابا وإصرارا، وما حدثيوم 13 مارس الماضي خير دليل على ما نقول، حين وقف سدا منيعا بما بقي له قوة فيوجه رجال الأمن، ففاوض بشراسة إلى أن تم إطلاق سراح الشباب أجمعين، قوة اللحظة أرجعتهسنوات إلى الوراء، أعادت له ذكريات المقاومة والمطاردة والكفاح المسلح ضمن جيشالتحرير، أفلح الفنان الساخر أحمد السنوني في تصويرها، خلال حفل التكريم، أفضلتصوير في قالب كوميدي يسخر من الجميع بما فيهم المحتفى به، حارب الرجل عدو ثمعدوين ثم ثلاث، فاقت قدرات الواحد منهم قدراتجيش التحرير أضعافا مضاعفة، وحدها العزيمة والإيمان بعدالة القضية من تجعله مؤمنابالنصر حد اليقين، بعد الحرب المباشرة عاد إلى المعارك السياسية بلا سلاح، فأثاروهو نائب برلماني قضية معتقلي تزمامارت الرهيب، سؤال قض نوم النائمين وأحيا الأملفي نفوس اليائسين، جاء المرزوقي، واحد من هؤلاء المظلومين، يقول لصاحب أشهر سؤالي شفوي في تاريخ المغربشكرا على السؤال، شكرا على بعث الأموات من بين رماد النسيان الموشك علىالانطفاء.
احتفاءً بالرجل المغاربي بامتياز، تناوب على المنصةأكاديميون وسياسيون مغاربة ومغاربيون، شرح الأكاديميون المنتمون إلى حقل التاريخ ماضيالمنطقة القريب، قلبوا أوجاع وجراحالراحلين، وذكّروا بالدماء والدموع المشتركة المبذولة ضد المحتل الفرنسي والإسباني،ومن بعده ضد حكام دول ما بعد الاستقلال،اعتقالات واختطافات وكتمان على أنفاس الشعوب، تباهى الكل بأبطال كفاحه الوطني منأجل الاستقلال، هنا استُحضر "محمد بن عبد الكريم الخطابي، ومحمد الخامس،ومحمد بلحسن الوزاني، وعلال الفاسي، والمهدي بنركة، وعبد الله إبراهيم، ومحمدالبصري (...) والقائمة تطول، ومن هناك استحضر عبد الحميد مهري، ومصالي الحاج، وقاصديمرباح، القائمة تقارب المليون والنصف من الشهداء، والعهدة في القول على عاتق أصحابالثورة الحاكمين بأمرهم ولو إلى حين، ومن هنالك استحضر عبد العزيز الثعالبي، ويوسفالهمامي، وعامر العيساوي، ويوسف الرويسي، والحسينالتريكي، وأحمد نجيب برادة، ومحمد الخضر حسين ... والقائمة تطول أيضا، ومن ليبيا استحضر عمر المختار الذي كان في شعبهأمة لوحده، ومن بلاد المشرق استحضرتالأيادي البيضاء للأمير شكيب أرسلان.
بعد المؤرخين جاء الدور على السياسيون القدامى منهموالشباب، حماس هؤلاء الأخيرين كاد يدفعهمإلى التنكر لتضحيات الشيوخ الحاضرين والمجاهدين الشهداء، فمنهم من خاطب الوجدانوالمشاعر المغاربية المشتركة، ومنهم من ذكر بأوجاع الماضي بصيغة عاطفية فيهاالكثير من التأسي على الفرص الكثيرة الضائعة من طرف القادة، الراحلون والمبعدونوالفارون والمنفيون والمترددون، القليل من المتدخلين من تحدث لغة تبتعد عن التمني وتستحضرواقع الحال وأفاق المآل، وتقف على العراقيل التي تحد من حلم الوحدة أو الاتحاد،القليلون من تحدثوا لغة المصالح الاقتصادية والأرقام، المتأتية أو الضائعة، منالاتحاد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق