الأحد، 1 سبتمبر 2013


الحاضرة اليونانية والرومانية القديمة.
وفي استعراضه لأهمية أماكن الذاكرة الدينية ينطلق المؤلف من حقيقية أن التاريخ الأوربي شهد العديد من الفظاعات باسم الدين لم تشهدها أي بقعة أخرى من العالم مثلا لها، كما شهدت أوروبا ثورات دينية عديدة وإصلاح ديني كبير، ومن نتائج هذه الثورات أن خرج الأوربيون لاكتشاف أراضي جديدة  كأمريكا التي كانت تمرة اعتقاد شديد الشيوع  بأنها أرض ميعاد جديد للبلاد المسيحية، ويستشهد المؤلف بمؤرخ الشؤون الدينية الأمريكي "ريتشارد وينتر" وبمؤرخين أخرين لتأكيد نفس الفكرة. كما أن مصطلح الغرب الشائع اليوم يحيل بدوره على ذلك الفصل الذي أقيم باسم الدين بين كنيسة شرقية بيزنطية وكنيسة غربية كاثوليكية كما يقول جاك لوكوف في كتابه "هل ولدت أوروبا في العصور الوسطى؟".
وينطلق المؤلف من الديانات المنتشرة في بلاد الهند والشرق الأقصى، من كونفشيوسية وبودية وفيدية، وهي ديانات غير موحدة، ليؤكد أن خاصة التوحيد هي التي تعطي التعصب والشمولية ما دام هناك شعب مختار صاحب رسالة للأخرين، بقد أقامت المسيحية ومن بعدها الإسلام الهوية في صميم نظام هوية الإنسان، قاصية الجدور العائلية والاثنية إلى مستوى أقل من مستويات وعي الذات، أما في أوروبا أخد نظام الحكم، باعتبار حارس ومنظم الهوية، يعتمد شيء فشيء على الدين فأنتج الامبراطورية الرومانية الجرمانية (على يد شارلمان) وفي العلم العربي أنتج الخلافة الإسلامية (على يد الخلفاء ومن بعدهم الملوك) على أن الامبراطورية  البيزنطية حافظت على تنوعها الاثني والثقافي اليوناني الشديد.
وحتى عندما سقطت الامبراطورية الجرمانية كانت أوروبا مطبوعة بطابع اثني تعددي،  وآخر ثقافي متنوع، لم يبدأ في الزوال إلا مع الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت ومع صعود الملكيات الراغبة في توطيد سلطتها عبر المركزية الشديدة، هنا ستكون اللاتينية لغة العلم في أوربا، ثم ستكون الفرنسية فيما بعد لغة الأدب والفن، وبعدها جاءت الإنجليزية وبقيت لغة العالم في مختلف الميادين حاليا، في الإسلام سيحدث نفس الأمر مع اللغة العربية التي أصبحت لغة الشعوب المفتوحة، ومع بداية القرن 19 أسقطت كل الإيديولوجيات القائمة على الهويات الكبرى بل العملاقة، فأنشأت عصبة الأمم وبعدها هيئة الأمم المتحدة، لكن هذه الهوية الكبيرة لم تقتها القوميات الأوربية الحديثة ولا المؤسسات  الدولية الناشئة فقد أرادت هذه الهوية العملاقة العودة من خلال زعم علمي جديد، حيت صنفت النظريات الجديدة حول الأعراق البشرية فقسمت العالم إلى "آريين" و"ساميين"  كما ساهمت نظرية داروين حول التطور في إنماء وعي بتفوق العرق الأبيض والحضارة الأوربية، وتم النظر إلى الأخرين على أساس أنهم بدو جاؤوا من الصحراء، حيت يستحيل أن تقوم فيها أي حضارة، نظر إلى اليهود الموجودين في أوروبا بنفس النظرة الاحتقارية مما شكل مختلف أشكال اللاسامية الحديثة والنازية باعتبارها الشكل الأكثر تطرفا فيها.
ولان كانت إيديولوجيا العرق بصفتها رحما حاضنة للهوية في ألمانيا النازية زالت بزوال ألمانيا النازية فإن مفهوم الغرب، القديم الجديد، السياسي والعسكري كان في تنامي مستمر بمؤسساته العسكرية والسياسية والاقتصادية، يعتبر المؤلف أن الوعي بالهوية الغربية على نحو خاص من الفكر الفلسفي والسوسيولوجي وكما جاء من فلسفة الأنوار وخاصة ما مونتسكيو، فقد سيطر نوع من الخوف من الانحطاط الحضاري لأوروبا في عز قوتها كما حدث مع الامبراطورية الرومانية، واستند المؤلف في هذا على الفيلسوف الألماني "أوسالد شبنغلر" من خلال كتابه "انحطاط الغرب".
يخلص الكاتب إلى أن مفهوم الهوية العملاقة للغرب مع كل قيمها الموسومة بالديموقراطية والفردانية والشعور القوي بتفوق مطلق على بقية البشرية هو بالأساس وريث شرعي لمفهوم الديار المسيحية الديني والتقاليد المسيحية اليهودية التي يتك التذكير بها دائما بمناسبة وبدونها، حسب الكاتب، على أن هذه الهوية العملاقة للغرب تبقى مهددة دائما من طرف الهويات المحلية صغيرة لكنها قوية وشقية (الباسكية والكورسيكية) كما أنها لا تحظى بالإجماع نفسه لدى الأوربيين كما هو واضح من خلال رفض الفرنسيين والهولنديين لمشروع الدستور الأوربي المشترك خلال استفتاء 2005.
وقد جربت الدول الأوربية خلال القرن 19 التدخل في بلدان أخرى خارج أوروبا عن طريق تكييف مفهوم الأمة ليخدم مصالحها بالأساس، فبات هذا المفهوم يعني المجتمعات المتحدة دينيا، كالأمة المارونية والدرزية والأمازيغية والكردية، ووصفت هذه الأمم بأنها مضطهدة من طرف الأغلبية التي تعيش بينها ويجب التدخل لحمياتها، وبدل أن تتم حمايتها جرى توظيفها في الصراعات الجيوبوليتيكية في المنطقة، فصار لكل قوة أوربية أمة أو أقلية تحميها بل توظفها في حساباتها وصراعتها للهيمنة على المنطقة (وهو ما كان واضحا في لبنان وما يزال) فتم تفجير الأوضاع الدينية في العديد من المرات باسم هذه الأقليات وخرجت منه أكبر الخاسرين، مما هدد في العديد من المرات بإفراغ المنطقة من قوتها البشرية المسيحية التي كانت تشكل أقلية نوعية مؤثرة كما حدث مثلا بعد العدوان الثلاثي على مصر(1956) وقيام دولة إسرائيل (1948) وغيرها الكثير من النماذج.
ظاهرة أخرى استرعت انتباه المؤلف هي انتشار مفهوم الأمة لدة نخب المجتمعات الواقعة تحت التأثير الثقافي والسياسي، لتصبح القومية والشوفينية  وكره الأخر مزيجا قويا يصعب فكه في العديد من المناطق:
  • في روسيا استشف الكاتب من خلال روايات الكاتب الروسي الكبير "دوستويفسكي"  تعلقا كبيرا بالتراث وإيمانا عميقا بالله وارتباطا أعمق بالمؤسسات الاجتماعية التاريخية، وبرز التناقض بين السلافيين وأنهار الغرب مما أدى إلى بروز الإرهاب في النصف الثاني من القرن 19 وانفجار ثورة 1917.
  • في اليابان   عاشت نفس الدينامية التي تحولت من دينامية دفاعية، مع الإمبراطور "ميجي" وإصلاحاته، إلى هجومية وصدامية بان اصطفت اليابان إلى جانب الألمان في الحرب العالمية الثانية ومحاربة أمريكا واحتلال الجيران الأضعف (الصين حينها).
  • في الصين الشيوعية تخلصت مع ماو من المعاهدات التجارية المجحفة التي كانت تربطها بالغرب ودخلت في صراع مع أمريكا ومع الجيران مما أدى إلى تقسيم جزيرة كوريا إلى دوليتين كل واحدة تابعة لمعسكر.
  • في البلدان العربية تحولت الانقلابات العسكرية إلى ديكتاتوريات ذات صبغة قومية عربية، وتحفزت حركات الرفض الإسلامية بعد سلسلة خيبات الأمل جراء الانهزام أمام إسرائيل المدعومة من طرف الغرب.
  • في الهند انفصلن عنها الباكستان في 1947 لأسباب دينية وعن هذه الأخير انفصلت بانغلاديش لأسباب ثقافية رغم رابطة الدين التي تجمعها بباكستان، لكن هذه الحالات لم يفصل الكاتب فيهما القول. وبعد سنة واحدة من قيام باكستان قامت دولة إسرائيل لأسباب ذاتها فرفض العرب بشدة هذه وساندوا بشدة تلك رغم أن الدافع واحد تقريبا.                                                                          
ثم انتقل الغرب من الاستعمار المباشر إلى استغلال الدين وتوظيفه في الصراعات الجيوبوليتيكية في مختلف مناطق العالم، فقد بم توظيف الصهيونية- التي قبلت بالانضواء تحث المظلة الدينية اليهودية بعد أن كانت تقدم نفسها على أساس أنها حركة علمانية- في الحرب الباردة  ضد الاتحاد السوفياتي، على الرغم من أن الأخير كان قد تنبه لأمر اليهود منذ تأسيسه فمنحهم وطنا تبلغ مساحته 42 ألف كيلومتر مربع يقع على الحدود مع الصين ويسمى "بيروبيدجان" لكن الأمريكان ضغطوا بقوة على السوفيات في موضوع اليهود، وبالمقابل حاول زعماء الحركة الصهيونية اللعب على الغرببأن قدموا أنفسهم على أساس أنهم خدام المشاريع الغربية في المنطقة وخاصة مشاريع الإنجليز مما سمح لهم بانتظاع وعد من وزير الخارجية البريطاني بلفور سنة 1917. أما بالنسبة لاستغلال الإسلام في تلك الصرعات الدولية والإقليمية فقد فطن إليه العثمانيون أول الأمر، عندما كانت مساحات شاسعة من أراضيهم تقع تحث سيطرة الغرب والشق معا، بأن حاولوا استنهاض الهمم الدينية لتشكيل تحالف مقاومة على أساس الإسلام رغم أن إمبراطورتيهم كانت تضم  العديد من القوى البشرية غير المسلمة، بل لقد أعلن السلطان عبد الحميد نفسه خليفة المسلمين، وحتى بعد سقوط تلك الخلافة بشكل رسمي  سنة 1924 حاول الإنجليز توظيف موضوع الخالفة لصالحهم فبات للعالم الإسلامي خليفتان يتصارعان حول منصب لم يعد يوجد إلا في أحلامها، ونفس الشيء قام به الفرنسيون مع بونابارت خلال حملته على مصر حيت أعلن نفسه حليف وصديقا للإسلام، وأخيرا حاول الأمريكيون استغلال الإسلام لصالحهم لمجابهة السوفيات في الشيشان ومن خلال دعم النظامين الأكثر دعما للأصولية الإسلامية وهما النظام السعودي والنظام الباكستاني، كما أن تأسيس الجماعة الإسلاية ومن بعدها منظمة المؤتمر الإسلامي يسير في نفس الاتجاه، وإن كان هادان الهيكلان بعيدان كل البعد عن الأصولية إلا أنهما يعبران عن الحاجة إلى مجابهة الأخر انطلاقا من الهوية الدينية.
خلص المؤلف إلى أن هذا الخلط بين القومية والدين كان الغرب يستسيغه فقط في المجتمعات البعيدة عنه ولم يكن يقبله في عقر داره، بل كانوا ينمونه عند الأخرين في إطار الصراع الجيوبوليتيكي، وتساءل المؤلف، هل لاستخدام كلمة هولوكوست المتحدرة من المصطلح الأضحوي في العهد القديم إلى دلالة دينية عند النازية؟ ويضيف  تساؤلات أخرى لا تقل أهمية عن الأول هو هل تشكل ذاكرة المحرقة الفعل الغير الواعي لعودة الديني في تاريخنا؟ خصوصا عندما يوظف الإعلام بكثافة للتذكير بالحدث، ألا تلك الوسائل بما فيها السينما دور كابح ألية اشتغال ألية النسيان وتنمي فعل التذكر المربطة بعقدة الذنب؟  وبالمقابل ألا تعتبر المحرقة فعلا ألمانيا بالدرجة الأولى بل فعل رجل واحد هو هتلر، بالنسبة للكاتب واستنادا على أخرين لم تكن محاكمة "نورمنبرغ" سنة 1945 لجرائم النازية خاتمة مسلسل أهوال الحرب العالمية الثانية وخاصة بعد الحرب الباردة وحروب إزالة الاستعمار، لقد جرى استدعاء هذا الحدث التاريخي المأساوي باستمرار من طرف الأمريكيين للتغطية على أهواء حرب أخرى لا تقل عن تلك المأساة فظاعة خهي حرب فيتنام، لإراحة جيل من الأمريكيين الباحثين عن مقاييس أخرى للخير والشر، وفي ألمانيا لم يبدأ بالاحتفال بذكرى المحرقة إلا سنة 1980 عندما أيقن الجميع أن الجلادين إما ماتوا أو في طريقهم للموت في دور العجزة.
وقد ختم المؤلف هذا الفصل على ترابط مدهش بين أحداث تاريخية مهمة حدا وقعت كلها بين ستني 1978 و1979، باعتبارها تسجل منعطفا أيديولوجيا حاسما ومدشنا لحقبة عودة الديني مثل التورة الإسلامية في إيران في فبراير 1978 والغزو السوفياتي لأفغانستان تحسبا  للمد الشيعي فحدث الغزو في دجنبر 1979، وتوقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل سنة 1979 وزيارة السادات لإسرائيل، ووصول البابا يوحما بولس الثاني إلى البابوية في أكتوبر 1978 وغيرها.  

الأنماط الأولية لأشكال العنف الحديثة: الحروب الدينية في أوربا.

يحاول جُورج قُرْم في هذا الفصل أن يفسر الحاجة إلى الدين والتسامي بوصفه ليس نابعا من حقيقة متعالية، ولكنه نابع من خوف الإنسان من الموت، كما أنها حاجة  صادرة عن حيرتنا الفكرية أمام الكون وأسرار خلقه، والتي لم تتوصل إليها النظريات الأكثر علمية والأشد تبحرا فيه. فبالنسبة للكاتب عالم بلا خالق وبلا تفسير للحياة الفانية ولحركة الكواكب الأزلية، لا محالة سيثير لدى الكثير النفور الشديد، المخاوف الوجودية العميقة هي التي تؤسس للاعتقاد بوجود قوى عليا تنظم أو تبعثر نظام الكون ثم تعيد تنظيمه.
وتعد المسيحية الأوروبية، بالنسبة للمؤلف، أبرز مثال على استغلال الدين في السياسة، ومساهمة رئيسية في شرعنة العنف الأشد ضراوة والغزوات الاستعمارية بالإكراه، والانشقاقات والتمزقات العنيفة متناسية التعاليم الأساسي للمسيح الذي يرمز للاعنف ويرفض التمييز بين البشر.
ويشير جورج قرم إلى تلك المعارك والحروب الضارية المسيحية في أوروبا بشكل عام والتي أفرزها تمازج الدين في السياسة والجيوبوليتيكا، جراء الحروب بين الملوك من أجل ازدهار امبراطورياتهم وممالكهم.
لقد دارت في القرن الرابع معارك دامية حول الطبيعة الإلهية للمسيح في المسيحية الشرقية مهيأة الأجواء لظهور الإسلام الذي أراد أن يختم تلك المجادلات اللاهوتية بعود إلى توحيد منزه عن التعقيد الثالوثي للعقيدة المسيحية، وهناك أيضا الخلاف الذي حدث في القرن الحادي عشر بين الكنيسة البيزنطية الشرقية المسماة أرثوذكسية والكنيسة الرومانية المسماة كاثوليكية، والذي فتح المجال واسعًا أمام المد التركي العثماني في آسيا الصغرى وفي أوروبا، وهناك أيضا الثورات ضد الهرطقات في جنوب فرنسا، والتي استمرت منذ القرن الثاني عشر حتى القرن السادس عشر، وتطرق الكاتب في هذا الفصل أيضا إلى محاكم التفتيش وما صحبها من أعمال عنف ضارية، وكذلك الحروب الصليبية وطرد مسلمي أوروبا، والخصام الذي حدث في المؤسسة البابوية، والنظر إلى هذه المؤسسة كجهاز فاسد من أساسه مما مهد لظهور البروتستانتية.
وبالانتقال إلى الحالة الإنجليزية في اتخذها الكاتب نموذجا لدراسة ذلك العنف الديني، وجد أنها تشكل أول نموذج للعنف الديني في أوربا، بدأ أولا بقطيعة الملك هنري الثامن للبابوية روما في 1534،  تلاه إصداره مرسوم السيادة الذي جعل منه الرئيس الأعلى للكنيسة في إنجلترا والسيد الأعلى في الحكم، ثم إصداره مرسوما آخر يوجب على كل رعايا الملك قسم الولاء له وهو ما رفضه كثير من الرهبان، ثم أصدر مرسوما ثالثا، يلغي تنوع الآراء والذي تم بموجبه التنكيل بكل من الكاثوليك والبروتستانت، إذا لم يذعنوا للمعتقد الجديد الذي يدعو إليه الملك، كما ساد البلاد نظام شديد في التجسس.
كما شهدت إنجلترا فيما بعد اندفاعات بروتستانتية تفرض تعاليم دينية جديدة مع مصادرة أملاك الكنيسة الثمينة لمصلحة العرش، مما أدى إلى ردود فعل كاثوليكية، ثم تلتها مجددًا إصلاحات في عهد الملكة إليزابيث الطويل أدت إلى اضطهاد الكاثوليك، كما شهد عهدها اعتماد الكنيسة الأنغليكانية كنيسة رسمية للبلد، الأمر الذي أدى إلى ظهور انفصاليين يرفضون مبدأ كنيسة الدولة، مما أدى إلى اندلاع موجات جديدة من الاضطهادات والتنكيلات الدينية، وزاد السلطات المدنية الطين بلة عندما فرضت غرامات على رعايا الملك، الذين يصرون على البقاء على كاثوليكيتهم، مما المصالحة مع الكاثوليك مستحيلة، كما صدرت مراسيم جديد أذكت أساليب اضطهاد الكاثوليك، وتجديد قسم الولاء للملك ومنح مكافآت لمن يشي بالرهبان الكاثوليك، وألزمت الزواج في الكنيسة البروتستانتية وتعميد الأطفال بها، وهكذا عاشت إنجلترا الاضطرابات الدينية الطويلة التي لم تنتهي إلا بحلول ثورة 1688 المسماة الثورة المجيدة، ولم ترجع حقوق الكاثوليك في العبادة إلا عام 1791 حين أعيد قانون العمل بحرية العبادة.
يشير جورج قرم في كتابه إلى مدى العنف الذي كان يمارس على صعيد واسع في أوروبا في القرن السادس عشر، والذي استمر في إنجلترا وأمريكا في القرن السابع عشر، فعلى سبيل المثال صار كره الشخص المتدين هو السمة العامة في الغرب، وقام فيليب الثاني بحرق كل من البروتستانتيين في إسبانيا وأنصار الفيلسوف الشهير "إراسم" كما تمت تصفية حوالي 30000 بروتستانتي في مجازر "سان بارتيليمي" في فرنسا، وإعمال السيف في رقاب بروتستانتيين في مقاطعة "زوتفن".
كما ردت الملكة البريطانية إليزابيث على الإعدامات التي قامت بها الملكة الفرنسية ماري بإعدامات مثلها، واندلعت ثورات ضد التماثيل والصور الدينية، وقام ثوار الثورة الفلمنكية بوأد رهبان أحياء تاركين رءوسهم بارزة خارج التراب.
وفي عام 1579 حبس البروتستانتيون كاثوليكا في أبراج الأجراس وتركوهم يموتون جوعا، وتم وضع الأطفال على الشواية بحضور آبائهم وأمهاتهم، كما وقعت في فرنسا مذبحة "سان بارتيليمي" الشهيرة التي نالت 15 مدينة، ووقعت في الجنوب صراعات داخلية للسيطرة على السلطة الحضرية، فضلا عن النظرة التي كانت تنظر إلى الكاثوليك في إنجلترا والبروتستانت في فرنسا بوصفهم طابورا خامسا.
أما بالنسبة لمحاكم التفتيش فيشير جورج قرم إلى مدى العنف الذي اقترن بها، فقبل مأساة الإصلاح البروتستانتي والإصلاح الكاثوليكي المضاد قامت الكنيسة بشن حملة صليبية ضد كل من يخالفها من فئات الهرطوقيين، ومن هنا نشأت محاكم التفتيش والتي تمأسست من خلالها جرائم الرأي، وقد بلغت محاكم التفتيش ذروتها في إسبانيا في عهد الملك فيليب الثاني (1555-1598). تعود أصول جرائم الرأي إلى المجمع الكنسي الثالث المنعقد في مدينة لشاتران، حيث سمح له بموجب سلطته الحاكمة بالحق الإلهي بأن يجابه الهراطقة بالقوة، كما أشركت البابوية السلطة الزمنية في القمع وقرر المجمع إنشاء لجنة في كل أبرشية مكونة من واحد أو اثنين أو ثلاثة من الكهنة وعلمانيين، ونظرا للسرية والعزلة وكتمان شخصية من يشي بالمتهم وغياب المحامين والطريقة التي كانت تتعامل بها محاكم التفتيش، فإن أحكام البراءة أو وقف المحاكمة كانت نادرة للغاية.
ويستشهد جورج قرم بما ذكره هنري شارل ليا، أحد أفضل مؤرخي مؤسسة التفتيش الذي قام بتفسير الوحشية المرعبة والحماسة الهمجية التي مورست على الهراطقة وتقنيات الوشاية بهم، فكتب يقول "لم تكن روابط الدم عذرا لمن كان يخفي هرطقيا فكان على الابن أن يشي بأبيه، وكان الزوج يعتبر مذنبا إذا لم يسلم زوجته إلى موت رهيب (..) وكان يجري تعليم الأطفال أن من واجبهم ترك ذويهم في حالة إدانتهم بالهرطقة" وبالمقارنة بما يحدث في العالم الحديث من أشكال جديدة للعنف يخلص جورج قرم إلى أن تلك الحروب الدينية التي اجتاحت الديار المسيحية قرونا طويلة ما هي إلا أنماط أولية لتلك الأشكال الحديثة للعنف، فأساليب مراقبة الفكر بالنميمة والجاسوسية من خلال جهاز مؤسسي حكومي أو شبه حكومي كلها ليست أشكالا جديدة، وكذلك الممارسات الإجرامية التي نشأت وانتشرت على نطاق واسع في أوروبا خلال الحروب الدينية، ومفاهيم "تخريب" و"طابور خامس" و"أقلية شريرة" والتي ارتبطت بمفردات الديكتاتوريات الحديثة، كانت ماثلة تماما في أوروبا في القرون الوسطى وعصر النهضة.

الحداثة وأزمة الثقافة والسلطة. 

يحدد جورج قرم أزمة هذه الحداثة في الثورة الشاذة المبنية على التراجع الكبير على معايير العقل والإنسانية الكلاسيكية، والاستعانة بالديني في فهم العالم وتطوراته، وسيطرة بعض المقولات السياسية كمحور الشر والإرهاب المرتبط بالإسلام قطعا، بعيدا عن أي تحليل سياسي علمي دقيق. يستعين الكاتب بخلاصات الفيلسوفة الألمانية "حنا أرندت" عن أزمة الحداثة الأوربية من خلال كتابها "أزمة الثقافة"، حسب هذه الفيلسوفة فإن المسار التدميري للفلسفات الحدثة يعود إلى ديكارت بالنسبة لمفاهيم التراث والسلطة والحرية التي قامت عليها الحضارة الغربية، والسبب هو أن هذه الحضارة قامت على اقتران الفلسفة الإغريقية بتقديس الأجداد المؤسسين، لأن الكنيسة انقطعت عن أداء وظيفتها الأساسي منذ  القرن الخامس فقد ارتمت في نظام السلطة السياسية الرومانية القائمة على الفلسفة الإغريقية، واستمر الأمر حتى عصر النهضة، وكانت الثورة الفرنسية والأمريكية والروسية وفلسفة هيجل  ونيتشه وماركس عود إلى تلم الينابيع الإغريقية الأولى، الأزمة حسب هذه الفيلسوفة أزمة الغرب سياسية تعود إلى انحلال الثالوث الروماني للدين والتراث والسلطة، لم تكن الثورات الحديثة بالنسبة لأرندت قطيعة مع ذلك التراث، بل لقد استمرت تنهل منه، ولم يقع التأسيس مثلا لمفهوم جديد للسلطة، بعيدا عن المفهوم الدي أسسه الإغريق، عند المفكرين ولا عند الثوريين، العودة إلى الديني تكون من خلال محاولة البحث عن مصدر سلطة يعلو بشكل مطلق عن جهاز الحكم والحاكمين، وهكذا يخلص المؤلف إلى أن أزمة السلطة المرتبة بالممارسة الوظيفية للحكم كما صنعها العالم الحديث، بلغت ذروتها مع فشل الثورات الحديثة (الروسية والصينية وتورات العالم الثالث الأخرى) في خلق أشكال جديدة لسلطة سياسية شرعية ومستديمة.
لقد كانت دولة إسرائيل الأيقونة الكبرة لقيام الديني بشكله الحرفي المتطرف، حسب المؤلف، وبدعم من قبل الغرب، تجسيدا لمقولة التراث اليهودي المسيحي أو التوحيد الأول اليهودي المسيحي، وكانت أيضا بمثابة المرحلة الأخيرة لحداثة باحثة عن شرعية دينية لضمان إعادة تأسيس للثقافة الأوربية، وكان هيجل و فيبر من أول من استعمل التراث اليهودي-المسيحي باعتباره أساس العقل الحديث، وهنا يتساءل الكاتب عن تجهل العقل الثالث المتمثل في الاسلام، ما دوره كناقل للثقافة الشرقية إلى الغرب خلال العصر الوسيط؟ حيت كانت الثقافة العربية الإسلامية تعيش فترات ازدهارها وانفتاحها الأقوى.
من أزمات الغرب كذلك يستعرض المؤلف أزمة فلسفات التاريخ، كان التاريخ يفسر سابقا تفسيرات دينية إيمانية محضة، فقد نظر إلى انهيار الإمبراطورية الرومانية كمشيئة إلاهية خالصة أعطت المؤسسات الكبرى للمسيحية دون النظر في الأسباب والعوامل، أما عندما خرج الأوربيون من عالمهم الأوربي والتوحيدي عامة (الإسلامي واليهود) واحتكوا بحضارات هذه العوالم أصبحوا قلقين على استمرار حضارته، بما أنهم ابتعدوا عن تدبير الله لحياتهم واكتشفوا أن الإنسان فاعل أساسي، وبالتالي فقد يكون الفعل الإنساني قادر على تعويض حضارتهم أيضا كما هو قادر على إحياءها وأنعاشها، أو بتعبير ماكس فيبر خيبة أمل العالم جراء فقدان المفعول السحري للدين، وكانت الرومانسية على الصعيد الأدبي أكبر معبرا عن فقدان الثقة بالذات لدى الفلسفات الحديثة والوجود الرديء، حين نادت بالعودة إلى الينابيع الأولى وجعلت من الشرق المتوسطي محجا صوفيا لها، وهو ما غدى الحمى الاستعمارية الأولى.
لقد أنتجت الحداثة الأوربية، التي تقوم على تراتبية الحضارات الحداثة والثقافات، فلسفات تاريخ تعاني الأزمة في كل مكان بما فيها قلب أوروبا مع الفاشية والنازية، لكن المؤلف يعود ويتساءل عن جدوى تجريم ترك التراث بمحتواه الديني المؤسِّس؟ ألا يصوغ ذلك إلى مجرد السيطرة السياسية فحسب كما تقوم بذلك أمريكا من خلال خلص الديموقراطية بالدين وبالحريات الفردية. وبالعودة إلى جدور القلق من العنف ونهاية العالم يستخلص الكاتب أن المنطلق في العنف كان من الحروب الدينية وانهيار الكنيسة واكتشاف العالم الجديد ولا وليس من الثورة الفرنسية، الثورات كانت نفسها كانت ذات تلاوين قومية، فضخمت ذلك العنف لأن سلطة الإله-المجسدة في الكنيسة- انهارت، وأصبحت الفلسفة تحتل مكانة اللاهوت عندما تطور الفكر السياسي والفلسفي لتك الثورات، فاكتسبت فلسفة التاريخ مع هيجل مقام المعرفة الأرفع، وهكذا انتجت الهيجلية أفضل توليف بين الفكر الديني التقليدي والفكر الوضعي المتكون خلال الحروب الدينية من جهة والفكر المكتشف من خارج أوروبا والفضول العلمي الذي يميز عالم النهضة، حاولت الفلسفة الهيجلية التوفيق بين التراث الديني والتطور العقلاني للفكر البشري، ويستخلص الكاتب أن هذا التوفيق هو الذي جعلها تنجح في إنتاج الأيديولوجيات الكبرى للقرن التاسع عشر من وضعية وماركسية وتاريخانية. ففي هذه الفلسفة يعتبر التوحيد مرحلة من مراحل تطور الروح البشرية، ثم إنه هو الذي استبدل التاريخ الدائري العزيز على اليونانيين بتصور أخروي، حيت انتظار أحداث دينية كبرى كعودة المسيح، وهو ما سيقود إلى تأسيس للغربية الثقافية الحديثة، أي بإعادة كتابة تاريخ أوروبا على أسس عقلانية، مما سيعطي فهما ثاني للعصر الوسيط غير الفهم التقليدي بأنه عصر الظلمات وكفى، والانكباب على دراسة تاريخ أوروبا كوحدة غربية متكاملة، وهو ما سيواصله ماكس فييبر الذي اعتبر أن البروتستانتية عنصرا مركزيا في الحضارة الأوربية اقتصاديا وسياسيا ماديا.
الحرب الأهلية الدينية - ليس بالمعنى الذي ذهب إليه المؤرخ الألماني إرنست نوالد الذي حصرها في المعركة التي حدثت بين ألمانية النازية وروسيا البولشفية، بل يعتبر المؤلف هذا القول فيه تخفيف من حدة النظرية النازية- تلك الحرب في أوروبا شبه دائمة توطدت من خلال الحرب الدينية والنهضة  الإيطالية ومرت بمرحلة الثورة الفرنسية، وفي القرن 19تولدت ثورات جديدة من الثورة الفرنسية داعية إلى تحرير القوميات، ورغم أن القوى الأوربية ما بعد النابوليونية حاولت تجنب الصدام إلا أنها فشلت في حرب البلقان (1912-1913) ويخالف الكاتب ريمون أرون الذي يعتبرالقرن 19 قرن سلم، هو عنده استمرار لدينامية متناقضة وعنيفة سيرا على ديالكتيك هيجل- ماركس، أي العنف كمولد للتقدم البشري، وتوجهت هذه الدينامية بالحربين العالميتين الفريدتين في قسوتهما بل ووحشيتهما ثم حروب أخرى على أطراف أوربا، ويؤكد الكاتب أن غزو العراق الأولى والثانية وعزو أفغانستان احتفظت بسمات الحروب الأولى حتى بعد بهاية الحرب الباردة، لقد رأى هيتلر أن في اليهود الشياطين الذين اخترعوا الماركسية والبولشفية، وهو ما يعني أن الفلسفة الهيجلية فشلت في تحقيق الأمن والسلم في قلب أوربا، في ألمانيا التي كانت تعيش الثقافة في أكمل وجوهها، لكن الكاتب يرفض النظر إلى النازية على اعتبار فظاعة نزلت من السماء بدون مقدمات أو النظر إليعا على أساس أنها رد فعل طبيعية على الخوف من البولشفية والجنون الستاليني.  
هذه الأيديولوجيا المنددة بأساليب العنف الثورية الحديثة، هي نفسها التي تبدي الإعجاب المفرط بعودة الديني، لكنها تنسى كل أعمال العنف المرتكبة منذ قرون باسم الدين والتي كانت وريثتها، وهنا يتساءل الكاتب من هذا المنطق هل يمكننا حقا الاندهاش من فظاعة النازية، فنجعل منها انحرافا لا يمكن تفسيره خارج جنون صاحبها، أو رد فعل شرعية على الخطر البولشفي؟ وللإجابة على هذا السؤال يستعرض الكاتب موقفين، يعبران عن شرخ  كبير بين المحافظين الجدد والليبراليين، حيت يتطابق الأمر مع تجنب كل نقد لأفعال إسرائيل وكل نقد لإدارة أمريكا للشرق الأوسط. 
  • الأول: ينزع إلى التقليل من أهمية العنف ضد الهراطقة، أي العنف الديني.
  • الثاني: يحاول إعادة بناء تسلسل أحداث العنف التيث وسمت تاريخ أوربا.
كلا الرأيين يحاولا ن تفسير محرقة اليهود تفسيرات مختلفة، فالأول يعتبرها حدثا تاريخيا لا يمكن قياسه على أي عنف أخر، أما الثاني فيعتبرها تنسب أيضا إلى الحروب الدينية ضمن صدمة العقليات والرؤى المرتبطة بالحرب الأهلية الفكرية والسياسية.

الأزمة الدينية والسياسية المزدوجة في المجتمعات التوحيدية المعاصرة.

وصل الكاتب إلى أعتاب القرن 21 ليؤكد أن الدين وجد نفسه وسلطته في صميم السجالات المتعلقة بالحرية الفردية، وطرح إشكالية أن أي نظام سياسي لا يستطيع أن يفرض السلم على كوكبنا في غياب إجماع  حول منظومة قيم سياسية خليقة بتنظيم العلاقات بين المجتمعات والأفراد، بين الجمعي والفردي، وبين التباينات التي ترتديها السلطة والمرجعية في عالم يبحث عن استقرار غير متوافر حتى اليوم، ويستغرب المؤلف كيف أن مثل هذه القضايا التي تسيطر على الوعي الأوربي الراهن، وعلى مجتمعات الشرق الأوسط العربي والتركي والإيراني، غير مطروحة عند بقية العالم، كالشرق الأدنى أو دول جنوب الصحراء، أي عند تلك الشعوب التي تدين بديانات تختلف كلية عن الديانات التوحيدية الثلاثة وصاحب مفهوم التوحيد والشعب المختار.
يعود الكاتب ليؤكد أن اللجوء إلى الديني يعني أليا وجود أزمة في شرعية السلطة، فبالنسبة للكاتب الحرب الحضارية  المبشر بها ليست سوى أيديولوجيا هدفها الأساسي إدامة الفوضى، بعد أن لم يعد النزاع في القرن 21 نزاعا بين القوميات الكبرى كما كان عليه الحال في القرن19، ولم يعد مجابهة بين أيديولوجيتين كبيرتين، كالاشتراكية والرأسمالية، والنزاع الأول توج بحربين عالمتين والثاني توج بالحرب الباردة، العديد من الملاحظين يصورون صراع القرن 21 الأساسي هو صراع بين عالم يهودي مسيحي ليبرالي متسامح ومنفتح وحادثي وعالم إسلامي متأخر واستبدادي وعنيف ومنطوي على نفسه.
ويؤكد المؤلف من جديد أن الاستعانة بالدين ليست سوى تعبيرا عن أزمة العقلنة التبسيطية المتأثرة بالحداثة المعقدة التي تنخر جسم المجتمعات التوحيدية الثلاثة، وهي أزمة سياسية أكثر منها دينية، لأن الأطر التقليدية للسلطة تتفكك باستمرار داخل الأمم، وبين الأمم ذاتها. فالاستعانة السياسية المكتفة بالدين في نطاق الحرب الباردة، من خلال تعبئة الكاثوليكية البولونية والإسلام الأصولي على الطريقة السعودية-الباكستانية أو اليهودية المتأثرة بنشوء دولة إسرائيل كانت نتيجتها المفاقمة من أزمة الديانات التوحيدية الثلاث ونشر الالتباس السياسي، المجتمعات التي لا تدين بالتوحيد تبقى محصنة  من ما تعانيه نضيرتها التوحيدية من تشنجات إرهابية وحروب دينية، يعتبر الكاتب أن العنصر السياسي مسؤول عن الأزمة الدينية ويطبعها بطابعه الشديد، والأزمة الدينية تصيب بدورها العنصر السياسي وتمارس عليه تأثيرا حاسما، ثقافيا ونفسيا واجتماعيا، وحتى القانون الفرنسي الشهير بسنة 1905 التي اعتقد أنه تتويج للفر الأنوار للفصل بين السياسي والديني لم يكن حسب الكاتب إلا خدعة بصرية  

نحو ميثاق علماني عالمي؟

في هذه الخاتمة يسعى المؤلف إلى البحث عن مقترحات عملية وفلسفية وسياسية لإعادة الهدوء إلى المناح الدولي، ويعترف منذ البداية بأن الأمر ليس بالسهل إطلاقا، فالكاتب يعتبر أن مذهب المحافظين الجدد ليس من  عمل جورج ولكر بوش وفريقه، بل هو أيديولوجيا تنتشر في العالم منذ عقود عدة، تغذيها باستمرار وسائل الإعلام والمثقفون المشهورون، على الرغم من الأصوات والحركات التي تقوم بين الفينة والأخرى للتنديد بهذا المذهب السياسي وتقف في وجهه، بكتاباتها ومظاهراتها وأحيانا تضحي بحياتها من أجل ما تراه عادلا، ويقدم الكاتب حالة الأمريكية راشيل كراو مثالا على ذلك، حالات أخرى طالبت بالاعتذار عن غزو العراق (حالة الأساقفة الأنغليكانيين).

من المقترحات التي يقدمها الكاتب هناك:

§        تغيير المصطلحات والمقولات المتداولة في الخطابات السياسية خصوصا في الولايات المتحدة الأمريكية والأمم المتحدة، ويقدم بعض هذه المصطلحات الواجب تغييرها، كالإرهاب العابر للقارات الذي يحيل حتما على إلصاق الإرهاب بالإسلام.

§   النظر بشجاعة إلى الظروف الجيوبوليتيكية التي تخلق الأرض الخصبة لأعمال العنف الإرهابية الطابع (الاحتلال العسكري، الاستيطان في فلسطين، التهميش الاجتماعي العميق، التوزيع المجحف للثروات في اقتصادات الريع النفطي، الانظمة الاستبدادية التي تخلط بين الديني والسياسي) بدل البحث عن جدورها في تعاليم الإسلام، لأنه بحث سوريالي حسب الكاتب

§   أن تكف البلدان التي تقول إنها ديموقراطية ومثقفوها في الإعلام عن خنق المناقشات الجدية حوال الظواهر الموسومة بالإرهابية.

§   الكف عن الاستعمال المفرط لكلمة إسلام حتى في البلدان المسلمة، والمطالبة بإيقاف النقاشات الغربية عن الإسلام في وسائل الإعلام، لأن الإسلام ليس حيزا جغرافيا ولا قومية واحدة، وليس دينا وطنيا أو اثنيا أو عرقيا، الإسلام عند الكاتب دينا عالميا مثل المسيحية أو البوذية.

§   ضرورة أن توافق المسيحية واليهودية بأن الإسلام دين توحيد كامل، ويجب أن يعامل بالصفة والاحترام نفسه الذي يحظى به التوحيدان الآخران.

§   الدخول نقاشات لاهوتية حقيقية في حوار الأديان الإبراهيمية الثلاث التي تتنازع الحقيقية الإلهية  والتي أساءت دوما الاعتراف ببعضها وتقبل بعضها البعض، وبالمقابل الكف عن الزج العشوائي في ذلك الحوار للنقاشات السياسية والأنثروبولوجيا.

§   محاربة التبسيطات المفرطة والادعاءات المخالفة للواقع، كانتقاد العلمانية التي ينظر لها كحركة إلحادية أوربية، على مستوى الإعلام العربي، تلك الواقعة تحت التأثير الشديد لمختلف الأشكال الأصولية الإسلامية.

§   الاهتمام باستدعاء الذاكرة الإسلامية تبين ما كانت عليه تلك الحضارة من قبول بالتعددية الدينية والاثنية والتكيف مع الحضارات والثقافات الأخرى، وذلك في وسائل الإعلام والبحوث الأكاديمية.

§   يجب على المسلمين أن يكفوا عن إعطاء نظرة غير حقيقية عن كون الإسلام ين مغلق وغير متسامح، كما يظهر من خلال التركيز على الأبديات الهزلية  للحركات الأصولية الحديثة، بينما كانت المذاهب الإصلاحية تنشر في الإسلام.

§   الكف عن العداء للسامية والمهاترات في وسائل الإعلام ضد الحضارة اليهودية المسيحية، وبالمقابل يجب أن تُبذل جهود كبرى في أوروبا وفي أمريكا لفهم الإسلام ومكافحة كره الإسلام المستشري باضطراد.

§   النظر بكثافة إلى الأصوات المختلفة في الديانة اليهودية عما هو سائد في إسرائيل أو عند المتشددين اليهود في بقية العالم، تلك الأصوات التي يقدمها الإعلام اليهودي المحافظ على أنها أصوات مريضة بكره الذات، كصوتي نعوم تشومسي الشهير وإسرائيل شاحال.

§   الكف عن إطلاق التصريحات السياسية الهوجاء سواء من طرف هذا المعسكر أو ذلك، ويقدم الكاتب صوتان سياسيان أهوجان للتمثيل لذلك هما، صوت سيفيو بيرلسكوني، في 26-9-2001 عندما قام بتقويم سلبي جدا للعالم المسلم وإيجابي جدا للعالم الغربي، وبالمقابل قدم الكاتب نموذج  رئيس لوزراء الماليزي السباق مآثير بن محمد خلال اجتماع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في 2003 حين دعا إلى اتحاد المسلمين ففي مواجهة عدوهم وندد بالغرب لكنه أكد أنه لا يعني الغرب كله، بل فقط من يعادي الإسلام.

§   الكف عن الاستخدام الخاطئ والملتوي لمفهوم الغرب، أي الذي يستخدم كركيزة للقومية الحضارية الحديثة لهوية الغرب العملاقة والجامعة، والتي تأكد أمريكا أنها المدافع عنها في مواجهة الخطر الخارجي.

§   لابد أن يصبح القانون الدولي قانونا جمهوري الطابع بالمعنى التام للكلمة، وأن يطبق على الجميع بدون استثناء، بما فيهم إسرائيل.

§        البحث عن أدوار جديدة لمنظمة المؤتمر الإسلامي حتى لا تبقى التكتل العالمي الوحيد القائم على الدين.

§        إعادة النظر في أدوار منظمة الكلف الأطلسي.

§   العودة إلى التصور الكانطي للكوسموبوليتية، الذي يسعى الفلاسفة الجدد المستاؤون من فلسفة الأنوار الإنسانية إلى التخلص منه، فأوروبا حسب هذا التصور ليس مبنية على تعدد الثقافة مثل المجتمع الأمريكي أو الامبراطورية النمساوية الهنغارية أو السلطنة العثمانية،  أوروبا لها تراث آخر موسوم بالتورة الفرنسية المبني على إرادة الأمة، حيت لا يمكن للأصول الاثنية والدينية للمواطنين أو تذكر في المجال العام أو في السجال السياسي.

§   يجب أن تنظر أوروبا لنفسها اليوم بتمايز عن أمريكا، نظرة تمكنها من خلق البديل للنموذج الأمريكي الراغب في السيطرة عن طريق العولمة.

§        ضرورة المجابهة المباشرة مع دعاة حرب الحضارات العالمية بدل العدوة إلى تحالف الحضارات.

§   الذي يجب تحليله بعمق ليس المجمع الإيديولوجي الديني للإرهابيين بل القلق الاجتماعي  والسياسي والوجودي الذي يعبر عته العنف، فإرهاب اليسار لم لحلل انطلاقا من الأبديات الماركسية ليتم تحميلها المسؤولية منفردة، كذلك أن يتعامل مع الأدبيات الإسلامية الأساسية (القرآن والسنة)

§   لا يجب النظر إلى العمليات الإرهابية نظرة واحدة، فالتي تقع في الرياض أو في مركز شرطة في العراق تختلف جوهريا عن التي تقع في تل أبيب أو في مدريد أو في لندن.

§   البحث في الحداثة التي ما تزال قادرة على إنتاج قيم إنسانية عالمية حتى في المجتمعات الإسلامية غير الأوربية.

§   ضورة تجديد انتقادي وليس استنكاري لعصر الأنوار، ليعاد التواصل مع التقاليد الكبرى للكوسموبوليتية وذلك لوضع حد لانحرافات الجيوبوليتيكا العالمية والاستغلال الفاضح للأديان التوحيدية.

§        على فرنسا أساسا أن تعيد مفهوم المذهب الجمهوري إلى توهجه الأول، لأنه المفهوم الأساسي لمستقبل السلام.                                                           



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق